فوق رأسي سحابة

لفت انتباهي عنوان رواية: «فوق رأسي سحابة».

ولم أقرأ الرواية، لكن العنوان وحده استوقفني طويلاً، لأنه بدا لي أقرب إلى وصف حال الإنسان في هذه الدنيا.

فمن منا ليس فوق رأسه سحابة؟

سحابة ذنب يتذكره كلما خلا بنفسه، أو تقصير يؤنبه ضميره، أو كلمة ندم على قولها، أو فرصة ضيعها، أو حق قصر في أدائه، أو همّ يرافقه حيثما ذهب.

قد تختلف السحب في أشكالها وأحجامها، لكنها لا تكاد تفارق أحداً من بني آدم.

ولذلك جاء الحديث الشريف ليضع الأمور في موضعها الصحيح:

«كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».

فلم يُخلق الإنسان معصوماً من الخطأ، ولم يُطلب منه أن يكون كذلك، وإنما طُلب منه أن يكون صادقاً مع نفسه، شجاعاً في الاعتراف بزلله، سريعاً إلى التوبة إذا أخطأ، وإلى الرجوع إذا ابتعد.

وما أكثر ما ينشغل الناس بسحب الآخرين.

هذا يتتبع عثرات الناس، وذاك يحصي أخطاءهم، وثالث يقف عند زلاتهم وقوف المتشفي لا وقوف الناصح.

ولو أن كل إنسان انشغل بالسحابة التي فوق رأسه، لأبصر من عيوب نفسه ما يغنيه عن تتبع عيوب غيره.

إن أخطر ما في السحابة ليس وجودها، بل الاعتياد عليها.

فقد يألف المرء خطأه حتى لا يعود يراه خطأ، ويعتاد تقصيره حتى يظنه أمراً عادياً، وتستقر الغفلة في قلبه حتى تصبح جزءاً من حياته.

أما المؤمن فإنه كلما شعر بظل السحابة فوق رأسه، بحث عن نور يبددها؛ نور التوبة، والاستغفار، ومراجعة النفس، وتصحيح المسار.

وبين الناس من يقضي عمره ناظراً إلى السحابة التي فوق رأسه فيستسلم لليأس، وكأن أبواب الرحمة قد أُغلقت دونه. وبينهم من ينكر وجودها أصلاً، فيمضي في غفلته لا يرى عيباً ولا يسمع نصحاً. أما الموفقون فإنهم يرون السحابة على حقيقتها، فلا ييأسون منها ولا يتجاهلونها، بل يجعلون منها تذكرة دائمة بحاجتهم إلى ربهم، ثم يرفعون أبصارهم إلى ما فوق السحاب، حيث رحمة الله أوسع من الذنب، وعفوه أكبر من الخطأ، وفضله أعظم من التقصير.

ومن رحمة الله بعباده أن السحب لا تدوم.

فكما تنقشع سحب السماء بأمر الله، تنقشع سحب الذنوب والهموم بصدق الإنابة إليه.

بل إن بعض السحب تحمل في باطنها مطراً مباركاً؛ فقد تكون العثرة سبباً في يقظة، وقد يكون الذنب باباً إلى توبة صادقة، وقد يكون الانكسار طريقاً إلى قرب من الله لم يكن ليبلغه الإنسان وهو معجب بنفسه.

ولهذا ليست المشكلة أن تكون فوق رأسك سحابة، فكلنا كذلك.

المشكلة أن ترضى بظلها الدائم، أو أن تنكر وجودها، فتفقد فرصة مراجعة نفسك والعودة إلى الطريق.

أما من عرف ربه حق المعرفة، فإنه يدرك أن السحابة مهما عظمت لا تحجب شمس الرحمة إلى الأبد، وأن رب السحاب هو رب الشمس أيضاً.

وما من سحابة ذنبٍ صدقت التوبة بعدها، إلا جعل الله من ورائها مطراً يحيي القلب، ونوراً يبدد العتمة، ورحمةً تفتح للعبد باب بداية جديدة.

فوق رؤوسنا جميعاً سحبٌ لا يراها الناس، لكن الله يراها.

وطوبى لمن جعل من سحابته طريقاً إلى السماء، لا حاجزاً بينه وبينها.

يسرني ذلك. وقد حرصت على أن تكون الترجمة أدبية وسلسة، مع المحافظة على روح التأمل والمعنى الإيماني للنص:

 

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador