قبل أن نبدأ….

يسرني أن يكون لي رفيقٌ؛ نراجع فكرة، ونهذِّب عبارة، ونفتش معاً عن كلمة صدق، أو معنىً أعمق.

فليس المقصود أن نبحث عن البلاغة لذاتها، ولا أن نتكلف بديع البيان، وإنما أن نجمع بين صدق الفكرة، وصحة المعنى، وجمال العبارة، ولين الخطاب.

وليس كل من يُحسن اللغة يكتب أدباً ، ولا كل من كثرت تجاربه يستطيع أن يكسوها ثوب البيان؛ فحرارة العبارة لا تُستعار من الكتب، وإنما تولد من قلبٍ جرَّب، وعينٍ رأت، وروحٍ تأملت.

والبيان صناعةٌ تُصقل بالمراجعة، ويزداد جمالها بالحذف أكثر مما يزداد بالإضافة ، حتى لا يبقى من الكلام إلا ما يستحق أن يبقى. فالكلمة ليست بكثرتها، وإنما بصدقها، ولا بقوة لفظها، وإنما بما تُحدثه من أثر.

وإذا كانت الفكرة بذرةً، فصاحبها هو الذي يغرسها، ومن يعينه إنما يسقيها، ويهذب أغصانها، حتى تؤتي ثمراً طيباً . وما أجمل أن تنضج الفكرة في عقلين، وتصفو في قلبين، ثم تخرج للناس وقد تجرَّدت من هوى النفس، ولبست ثوب الإخلاص.

إن الشجرة لا تزهو بورقها وحده، وإنما بجذورها. وأحسب أن جذور ما أود بسطه هو الإيمان، وتجربة العمر، ومحبة الخير للناس. فإذا صلحت الجذور، اخضرَّ الورق، وجاء الزهر في أوانه، وآتى الثمر بإذن ربه.

ولعل أكثر ما أرجوه أن يكون الأدب وسيلةً لا غاية؛ وسيلةً لإصلاح قلب، أو رأب صدع، أو إطفاء خصومة، أو تذكير غافل، أو مواساة حزين، أو غرس معنىً جميل يبقى في النفس بعد أن تُطوى الصفحة.

وليس كل ما يُكتب يستحق أن يُقرأ، ولا كل ما يُقرأ يستحق أن يُحفظ، ولا كل ما يُحفظ يستحق أن يُورث. وإنما يُورث من الكلام ما اجتمع فيه صدق النية، وصحة المعنى، وحسن البيان، ونفع الناس.

وليس أجمل ما في الأدب إحكام العبارة، وإنما أن يصدق الكاتب فيما يكتب؛ فإذا صدق، خرجت كلماته من القلب، وما خرج من القلب، كان أقرب إلى القلوب بإذن الله.

فإن وجدت َلنا كلمةً تشرح صدراً ، أو تُصلح خاطراً ، أو تُعين على مودةٍ بين اثنين، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وما نحن إلا أسباب، نسأله سبحانه القبول، وحسن الأثر.

وربما أكرر الدعاء، ولا أملُّ تكراره، لأن الكاتب أحوج الناس إليه:

اللهم ارزقنا صدق النية، وحسن البيان، وصواب المعنى، واجعل كلماتنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ولا تجعل فيها حظاً للنفس، ولا طلباً لثناء الناس، واجعل خير ما نكتب شاهداً لنا لا علينا يوم نلقاك.

فإن بلغنا شيئاً من ذلك، فقد ربحنا، وإن قلَّ ما كتبنا، وإن جفَّ المداد، بقي الأثر، وإن غاب الكاتب، بقي له دعاء من انتفع بكلمةٍ كتبها، وذلك – بعد رحمة الله – خير ما يأمله صاحب قلم .

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador