🌿 اللسان… نعمةٌ قد ترفع صاحبها، أو تهوي به.
ما أكثر الكلمات التي تُقال في لحظة، ثم يبقى أثرها في القلوب سنين. فجرح السنان قد يندمل، أما جرح اللسان فكم ترك من قلوبٍ كسيرة، وأواصر مقطوعة، وحقوقٍ مهدورة.
وعلى المؤمن أن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، فلا يقول إلا خيراً ، ولا يخوض في أعراض الناس، ولا يجعل لسانه طريقاً إلى الغيبة أو النميمة أو الأذى.
كان الإمام سفيان الثوري يرحمه الله يقول:
«لو رميتُ رجلاً بسهمٍ كان أحبَّ إليَّ من أن أرميه بلساني؛ لأن رمي اللسان لا يكاد يخطئ.»
وصدق يرحمه الله؛ فالسهم قد يخطئ هدفه، أما الكلمة الجارحة إذا خرجت، فإنها كثيراً ما تبلغ القلب قبل الأذن.
فلنحفظ ألسنتنا، ولنجعلها عامرةً بذكر الله، والكلمة الطيبة، والإصلاح بين الناس، فإن الكلمة أمانة، وصاحبها مسؤول عنها بين يدي الله.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
يسعدني في هذا المقام أن نُفرّق بين أخطاء الناس، وبين أن نستسلم لفكرة أن الناس جميعاً لا خير فيهم؛ فهذه النظرة تُتعب صاحبها قبل أن تُتعب غيره.
في هذا المقام أستحضر قول النبي ﷺ: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر»؛ وهو منهج عظيم يعلمنا ألا نحكم على الإنسان كله بسبب عيب واحد، ولا على الحياة كلها بسبب موقف عابر.
ليس كل الناس كما تظن…
نعم ، يمرّ الإنسان بأيام تضيق فيها نفسه، فيرى الدنيا من نافذة الألم، فتكبر أخطاء الناس في عينيه، ويصغر فضلهم، حتى يخيل إليه أن كل من حوله منافق أو جاحد أو سيئ النية. وهذه من أخطر ما يزرعه الشيطان في القلب؛ إذ يبدأ بوسوسة صغيرة، ثم يسقيها بسوء الظن، حتى تتحول إلى عزلة، ثم إلى قطيعة، وربما إلى كراهية للأقربين.
والحقيقة أن الناس ليسوا ملائكة، كما أنهم ليسوا شياطين. كلنا بشر؛ نُحسن مرة، ونُخطئ أخرى، نرضى ونغضب، وننسى ونتذكر، ونعتذر حيناً، ونقصر أحياناً. ومن طلب الكمال في الناس عاش وحيداً، ومن التمس الأعذار لهم عاش مطمئن القلب.
والصبر على أذى الناس، واحتمال تقصيرهم، والعفو عن زلاتهم، ليس ضعفاً، بل عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، ويهذب بها نفسه، ويحفظ بها قلبه من أن يمتلئ بالحقد والضغينة. فالقلب الذي يسكنه العفو أهنأ من القلب الذي تسكنه الخصومات.
وليس المطلوب أن نرضى بالظلم، ولا أن نقبل الإساءة، وإنما المطلوب ألا نجعل تجربة مؤلمة تحكم على جميع الناس، وألا نسمح للشيطان أن يحول الأخطاء الفردية إلى أحكام عامة تسرق منا راحة القلب.
فإذا شعرت يوماً أن الجميع قد تغيروا، فراجع قلبك قبل أن تحاكم الناس. فقد تكون الغشاوة على البصر، لا على الطريق، وقد تكون الوسوسة قد صوّرت لك ما ليس بحقيقة.
إن السعادة ليست في أن تجد بشراً بلا أخطاء، فهذا لن يكون، وإنما في أن تمتلك قلباً واسعاً، يحسن الظن، ويعفو إذا قدر، ويصبر إذا ابتلي، ويرجو ما عند الله. فمن أصلح قلبه، أصلح الله له نظرته إلى الحياة، وأبدله بعد الضيق سكينة، وبعد الكدر طمأنينة.
أسأل الله أن يرزقنا وإياك سلامة الصدر، وحسن الظن، وقلباً عامراً بالإيمان، لا تؤثر فيه وساوس الشيطان، ولا تفسده أخطاء البشر.
ودمت ابناً باراً .
اللهم طهِّر ألسنتنا من الغيبة، والنميمة، والزور، واجعل كلامنا شاهداً لنا لا علينا.
Add comment
Comments