الخيانة والأمانة
ليست كل إساءةٍ خيانة، وليست كل عداوةٍ غدرا .
فالخيانة لا تولد إلا حيث وُجدت أمانة، ولا تنبت إلا في أرضٍ سُقيت بالثقة، أو قام فيها عهدٌ ووعد. لذلك كانت الخيانة أقسى ما تكون حين تصدر ممن أودعناه سرّاً ، أو ائتمنّاه على حق، أو فتحنا له أبواب قلوبنا قبل أبواب بيوتنا.
أما العدو، فلا يُنتظر منه أن يحفظ ودّاً لم يعقده، ولا أمانةً لم يحملها، ولا عهداً لم يلتزمه. فإن اعتدى، فهو يمارس عداوته، وإن ظلم، فقد أظهر ما يُعرف عنه. لكنه إن أعطى عهداً ثم نكثه، أو قَبِل أمانةً ثم خانها، فقد اجتمع فيه شرّ العداوة والخيانة.
ومن عظمة الشرائع السماوية أنها لم تجعل الأمانة خلقاً يُستحب فحسب، بل جعلتها فريضة، وربطت بها صلاح الأفراد واستقامة المجتمعات. كما جعلت الوفاء بالعهد من شيم المؤمنين، ونهت عن الغدر ولو مع المخالف، لأن الأخلاق لا تتبدل بتبدل الأشخاص.
ولذلك كان وقع الخيانة أشد من وقع العداوة؛ فالعدو قد يكسر أمنك، أما الخائن فيكسر ثقتك، وقد يترك في النفس جرحاً يطول برؤه.
ويبقى الإنسان كريماً ما حفظ الأمانة، وفيّاً ما صان العهد، فإن ضاعت الأمانة، وهُتكت العهود، لم يبقَ بين الناس إلا ريبةٌ تُفسد القلوب، وشكٌّ يبدد الطمأنينة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
Add comment
Comments