الصاحبُ الوفيّ رزقٌ مبارك، ونعمةٌ لا يعرف قدرها إلا من جرّب تقلُّب الوجوه، وتبدّل القلوب، ورأى كيف تمضي كثيرٌ من العلاقات مع أوّل ريحٍ من المصالح أو الخلافات.

أمّا رفاقُ العمر الحقيقيون، فهم أولئك الذين تبقى مودّتُهم ثابتةً رغم تغيّر الأيام، كأنّ بينهم وبين القلب عهداً لا تنقضه المسافات، ولا تُضعفه السنون.

هم الذين إذا ضاقت النفس اتّسعت بحديثهم، وإذا أثقلت الحياة الروح خفَّ حملها بقربهم. لا يتكلّفون حضوراً، ولا يفتعلون وفاءً، لأنّ المحبة الصادقة تظهر بعفويتها، كما يظهر النور بلا استئذان.

وربّ صديقٍ قديمٍ يغيب عن العين، لكنّه يبقى في القلب أقرب من كثيرٍ من الحاضرين؛ فإذا ذُكر عادت مع اسمه الطمأنينة، وتفتّحت في الذاكرة أيامٌ لها دفء العمر الجميل.

ولذلك كان السلف يعدّون الصاحب الصالح من أجلِّ النِّعم، لأنّ بعض الناس لا يمرّون في حياتنا مروراً عابراً، بل يتركون في الروح سكينة، وفي الذكرى نوراً، وفي القلب دعاءً لا ينقطع.

فطوبى لمن رزقه الله رفيقَ دربٍ إذا فرح شاركه صدقاً، وإذا حزن احتواه وفاءً، وإذا غاب بقي أثره الجميل كأنّه لم يغب.

وما أصدق المعنى المنسوب إلى الحسن البصريّ ـ يرحمه الله ـ حين أشار إلى أن وجود الصاحب الوفيّ نعمةٌ عظيمة؛ فليس كلُّ من صاحبك عرف الوفاء، ولا كلُّ من اقترب منك استحقّ البقاء، وإنما يبقى في الذاكرة من كانت
مودّتُه خالصة، وصحبته رحمة، ووفاؤه ثابتاً لا تغيّره الأيام.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador