في حياتنا من نحبهم أكثر مما نظن، ومن أجل ذلك تكون بعض الجراح منهم أعمق أثراً من جراح غيرهم. وقد نحزن من كلمة، أو نتألم من موقف، أو نغضب من تصرف لم نكن نتوقعه ممن لهم مكانة في قلوبنا.
غير أن الحزن شيء، وتحول الحزن إلى كراهية شيء آخر.
فليس العاقل من لا يغضب، ولا من لا يتألم، وإنما العاقل من يحفظ قلبه من أن تفسده لحظة عابرة، أو زلة بشرية، أو موقف لم تكتمل صورته.
فالناس جميعاً بين خطأ وصواب، وبين ضعف وقوة، وبين لحظات صفاء ولحظات تقصير. ومن طلب من البشر الكمال عاش مثقلاً بالعتب، ومن أدرك طبيعتهم عاش أرحم بهم وبنفسه.
وما أجمل أن يبقى القلب محباً وإن عاتب، ومتسامحاً وإن تألم، ومنصفاً وإن اختلف.
فالمؤمن لا يحمل في صدره سجناً للناس، ولا يجعل من الأخطاء بذوراً للحقد، بل يكره الخطأ دون أن ينسى فضل صاحبه، ويعالج الجرح دون أن يهدم جسور المودة.
هنيئاً لمن اتسع قلبه للناس، فصار يحب لهم الخير، ويدعو لهم بالعافية والهداية، ويغلب حسن الظن ما استطاع، ويعلم أن الأيام كفيلة بإصلاح كثير مما أفسدته لحظة غضب، أو كلمة قيلت في غير موضعها.
ولعل من أجمل ما يتعلمه الإنسان مع الأيام أن القلوب الكبيرة لا تُقاس بقدرتها على المحبة عند الصفاء، وإنما بقدرتها على حفظ المحبة عند الاختلاف، وعلى بقاء الود حين تعبر العلاقات مواسم العتب والفتور.
فليس كل حزن نهاية مودة، ولا كل خلاف سبباً للقطيعة، بل قد تكون بعض المواقف المؤلمة امتحاناً لصدق المشاعر، وميزاناً لنبل الأخلاق، وسعة الصدر.
نسأل الله أن يرزقنا قلوباً سليمة، تعرف قدر الناس، وتلتمس الأعذار، وتغفر الزلات، وتبقى عامرة بالمحبة والرحمة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
فأجمل القلوب ليست تلك التي لم تُجرح، بل تلك التي
جُرحت وبقيت نقية.
Add comment
Comments