التجارة التي لا تعرف الخسارة
يظن كثير من الناس أن ما يملكونه من مال أو وقت أو قوة أو جاه هو ملك خالص لهم، فيتشبثون به ويخشون نقصانه، وينسون أن العمر نفسه رأس مال يتناقص مع كل يوم يمر، وأن ما بين أيدينا ليس إلا أمانة مؤقتة، سرعان ما نغادرها أو تغادرنا.
والعاقل لا يقاس بقدر ما يجمع، بل بقدر ما يحسن استثمار ما أُعطي. فما قيمة مال بقي بعد صاحبه؟ وما قيمة وقت مضى دون أثر نافع؟ وما قيمة حياة امتلأت بالأخذ وخَلَت من العطاء؟
ومن رحمة الله بعباده أنه فتح لهم باباً عجيباً من أبواب الفضل، فدعاهم إلى تجارة لا تشبه تجارة الناس. فالتاجر في الدنيا يطلب الربح لنفسه، أما الله سبحانه فهو الغني عن العالمين، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، ولكنه يدعو عباده إلى هذه التجارة رحمة بهم، وإرادةً لخيرهم، وفتحاً لأبواب السعادة لهم في الدنيا والآخرة.
فما يقدمه المؤمن من صلاة أو صدقة أو إحسان أو كلمة طيبة قد يبدو قليلاً في عينه، لكنه عند الله عظيم إذا صحّت النية وصدق القصد. وليس السر في كمال العمل، فالكمال عزيز على البشر، وإنما السر في صدق التوجه إلى الله، وفي المجاهدة المستمرة رغم النقص والتقصير.
ولذلك كان فضل الله أعظم من أعمال العباد؛ فهو سبحانه يقبل القليل، ويبارك فيه، ويضاعف أجره، ويجزي عليه بما لا يخطر على قلب بشر. فالعبد يعمل العمل اليسير، ثم يجد عند الله من الثواب ما يدهشه، فيدرك أن ما ناله لم يكن بعدل العمل وحده، وإنما بفضل الكريم ورحمته.
وما الدنيا في حقيقتها إلا سوق عابر، أيامه معدودة، وساعاته محسوبة، والناس فيه بين رابح وخاسر. والرابح ليس من خرج منه بأكثر المتاع، وإنما من خرج منه بقلب سليم وعمل صالح وذكر حسن يرجو به رحمة ربه.
فإذا انقضى العمر وطُويت الصحائف، أدرك الإنسان أن أثمن ما كان يملكه لم يكن ماله ولا عقاره ولا منصبه، بل تلك اللحظات التي أنفقها في طاعة الله، وتلك الأعمال التي أخلص فيها لوجهه الكريم، وتلك القلوب التي أدخل عليها السرور ابتغاء مرضاته.
هنالك تتجلى الحقيقة كاملة: أن ما عند الله خير وأبقى، وأن أعظم صفقة في حياة الإنسان ليست ما جمعه لنفسه، بل ما قدّمه بين يدي ربه، راجياً فضله، مؤملاً رحمته، مستيقناً أن الكريم إذا أعطى أدهش، وإذا وعد أوفى، وإذا قبل من عبده القليل أثابه عليه الجزيل.
فطوبى لمن عرف قيمة أيامه قبل فواتها، وباع الفاني بالباقي، وجعل من عمره طريقاً إلى ما لا يفنى، فإن الأرباح الحقيقية لا تُعرف عند افتتاح الأسواق، وإنما عند إغلاق الحساب.
Add comment
Comments