فِقْهُ الأخْلاَقِ وَتَكَامُلُ الوَعْيِ…
تَتَسَاقَطُ خِصَالُ السُّوءِ حَجَراً تِلْوَ الآخَرِ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَتِ الآفَاتُ وَالْمَسَاوِئُ، تَجَسَّدَ الْبُخْلُ جُرْحاً فِي مُرُوءَةِ الإِنْسَانِ وَشَرّاً مُسْتَطِيراً، غَيْرَ أَنَّ فِي ظِلاَلِهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ نُكْراً وَأَثْقَلُ أَثَراً: شَرَّانِيَّةُ الْمَوَاعِيدِ الْكَاذِبَةِ وَالْمَطْلِ.
فَالْمُمَاطَلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْخِيرٍ فِي الْوَفَاءِ، بَلْ هِيَ اسْتِهَانَةٌ بِعُقُودِ الْكَرَامَةِ، وَتَسْوِيفٌ يَغْتَالُ الأَمَلَ فِي نُفُوسِ الْمُنْتَظِرِينَ. فَمَا قِيمَةُ الْوَعْدِ إِذَا كَانَ مَلْغُوماً بِالْكِذْبِ وَتَسْوِيغِ الْخِدَاعِ؟ وَمَا نَفْعُ الْقَوْلِ الْجَمِيلِ إِذَا لَمْ يَتَوَّجْهُ الْفِعْلُ الصَّادِقُ لِيُصَدِّقَهُ؟ إِنَّ الْقَوْلَ صَدًى فَارِغٌ مَا لَمْ يَسْنُدْهُ الْعَمَلُ، وَالْمُمَاطِلُ لاَ يَمْطُلُ الْحَقَّ فَحَسْبُ، بَلْ يَهْدِمُ الْجُسُورَ، وَيَكْسِرُ الثِّقَةَ، وَيُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ بَهَاءَ الْمُرُوءَةِ وَالْقَدْرِ.
وَعَلَى ضِفَافِ الْفِكْرِ وَالْوَعْيِ، تَبْرُزُ جَدَلِيَّةُ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ فِي أَبْهَى صُوَرِ التَّكَامُلِ؛ فَالْعِلْمُ بِلاَ عَقْلٍ كَمَنْ يَمْلِكُ نَعْلاً فَاخِراً وَهُوَ مَحْرُومٌ مِنَ الْقَدَمِ الَّتِي تَطَأُ بِهَا الأَرْضَ؛ مَعْرِفَةٌ صَمَّاءُ لاَ تُهْدَى وَلاَ تُثْمِرُ، وَزِينَةٌ فَاغِرَةٌ تَجُرُّ صَاحِبَهَا إِلَى التَّخَبُّطِ. وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ بِلاَ عِلْمٍ كَالْسَّائِرِ بِقَدَمَيْنِ ثَابِتَتَيْنِ لَكِنَّهُ حَافٍ فِي طَرِيقِ شَوْكٍ؛ يَمْلِكُ أَدَوَاتِ السَّعْيِ وَالإِدْرَاكِ، لَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحِمَايَةِ وَالنُّورِ الَّذِي يَقِيهِ زَلاَّتِ الطَّرِيقِ. فَلاَ يَكْتَمِلُ بَصِيرٌ إِلاَّ بِحِكْمَةِ الْعَقْلِ الَّتِي تُوَجِّهُ، وَنُورِ الْعِلْمِ الَّذِي يَحْمِي وَيَصُونُ.
Add comment
Comments