أرواحٌ مُحَنَّطَة

عَثَرْتُ بَيْنَ طَيَّاتِ أَوْرَاقِي العَتِيقَةِ عَلَى صُورَةٍ يَتِيمَةٍ…
سَمَرْتُ أَمَامَهَا طَوِيلاً؛ لَمْ يَكُنْ سِحْرُهَا فِي جَمَالِهَا، بَلْ فِي أَنَّ المَالِكِينَ لِتِلْكَ المَلَامِحِ كَانُوا يَوْماً هُمْ المَجَرَّةَ الَّتِي أَدُورُ فِي فَلَكِهَا.
وُجُوهٌ كَانَتْ لا تَفْصِلُنِي عَنْهَا إلا أَنْفَاسِي، وَضَحَكَاتٌ حَسِبْنَاهَا خَالِدَةً لا تَبْلَى، وَأَيَّامٌ عِشْنَاهَا بِلَاهِيَةِ الأَطْفَالِ، دُونَ أَنْ نَدْرِيَ أَنَّنَا نَشْرَبُ مِنْ كَأْسِ حَنِينٍ مُقِيمٍ سَيَحْرِقُ أَرْوَاحَنَا لاَحِقاً.
تَأَمَّلْتُ نَفْسِي فِي تِلْكَ البُقْعَةِ المَحْبُوسَةِ مِنَ الزَّمَنِ؛ كُنْتُ غَضَّ العُودِ، أَقَلَّ انْكِسَاراً، وَأَكْثَرَ حَمَاقَةً وَثِقَةً بِأَنَّ الفِرْدَوْسَ الَّذِي نَعِيشُهُ لَنْ يَزُولَ. لَكِنَّ الحَيَاةَ لَمْ تُقَامِرْ بِرَأْيِنَا، وَلَمْ تَسْتَأْذِنَّا؛ مَزَّقَتْ شَمْلَنَا، وَغَيَّرَتْ السَّرَائِرَ، وَانْتَزَعَتْ مِنْ بَيْنِ أَعْيُنِنَا أَرْوَاحاً لَمْ نَكُنْ لِنَسْتَعِدَّ لِفَقْدِهَا وَلَوْ شِيبَتْ وُجُوهُنَا.
أَعَدْتُ الصُّورَةَ إلَى ظُلْمَتِهَا، وَوَجَعُ الحَقِيقَةِ يَعْصِرُ قَلْبِي: إنَّ العُمْرَ لا يَسْرِقُ سَنَوَاتِنَا الحَسَابِيَّةَ فَحَسْب، بَلْ يَجْتَثُّ مَعَهُ الوُجُوهَ، وَالْمَلَاذَاتِ، وَالأَحْلَامَ، لا يَتْرُكُ لَنَا سِوَى حُطَامِ ذِكْرَيَاتٍ نَلْجَأُ إلَيْهَا كُلَّمَا طَالَ شَوْقُنَا لِلأَحْيَاءِ الَّذِينَ كُنَّاهُمْ يَوْماً.
فَبَعْضُ الصُّوَرِ لا تَحْتَفِظُ بِشَكْلِ الوَجْهِ، بَلْ تُحَنِّطُ بَعْثَ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ… لَنْ يَعُودَ نَبْضُهَا بَعْدَ اليَوْمِ.

Add comment

Comments

There are no comments yet.