شــهادة قـلم وتبرئـة ذمــة

بين حرارة التجربة ورسوخ الأهلية
قد يطوّق الثناءُ جِيدَ الكاتب بأغلالٍ من التوقعات لا يبتغيها، ويسبغ عليه القارئ ألقاباً يتبرأ إلى الله منها. ومن حقِّ السالك في درب الكلمة أن يُعلن معالمه، ويُحدد منزلته، ليرفع عن كاهله قيد الأستاذية، وليتحرر من ثقل التصدير الذي لم يسعَ إليه يوماً.
إنني هاهنا لستُ بعالم، ولا أهلاً لأن يُؤخذ عني العلم أو يُتلقى عني الفقه؛ وإنما أقف بكل اعتزاز في أعتاب مقام "طالب العلم"، ترضيني هذه الصفة وتصلح بها سري، وأتمنى من الله أن أكون صادقاً في حقيقتها. إن كل ما أبسطه على هذه المنصة، مستعيناً بشرارة التقنية ومصقولاً بمساندتها، ليس إلا خلاصة تجربة إنسان تجاوز عقد حياته السابع؛ إنسانٍ عاش ورأى، وتأمل وخبر، فخرج بفقراتٍ وثمارٍ يرجو أن يصل نفعها إلى أهله، وأحبته، وسائر خلق الله.
وقد كانت "التأملات الفكرية" التي صدرت بها هذه المساحة،
" بصائر المسير "
إعلان منهجٍ وسيرة قلم؛ حيث يسرني دائماً أن يكون لي رفيقٌ نراجع معه الفكرة، ونهذب العبارة، ونفتش معاً عن كلمة صدقٍ أو معنىً أعمق. لم نرد البلاغة لذاتها، ولا تكلفنا بديع البيان، بل أردنا أن نجمع بين صدق الفكرة، وصحة المعنى، وجمال العبارة، ولين الخطاب.
فحرارة الكلمات لا تُستعار من المجلدات، وإنما تُولد من قلبٍ جَرَّب، وعينٍ رأت، وروحٍ تأملت. وما البيان إلا صناعة تُصقل بالمراجعة، ويزداد حسنها بالحذف، حتى لا يبقى إلا ما ينفع الناس. وكما أن الشجرة لا تزهو إلا بجذورها، فإن جذور ما أسطره هاهنا هي الإيمان، وتجربة العمر، ومحبة الخير. فإن صَلَحَت الجذور اخضرّ الورق وآتى الثمر أُكله بإذن ربه.
إننا نكتب ليكون الأدب وسيلة لا غاية؛ وسيلةً لإصلاح قلب، أو رأب صدع، أو إطفاء خصومة، أو مواساة حزين. نكتب ونحن نعلم أن أجمل ما في الكتابة ليس إحكام الصنعة، بل صدق النية؛ فما خرج من القلب استقر في القلوب. ولعل الدعاء الذي لا أملّ تكراره هو الرجاء الأكبر: "اللهم ارزقنا صدق النية، وحسن البيان، وصواب المعنى، واجعل كلماتنا مفاتيح للخير مغاليق للشر..."، فإن بلغنا ذلك فقد ربحنا، وإن جف المداد غداً، فحسبنا أن يبقى الأثر ودعوة صادقة بظهر الغيب.
شروط العلم ومقام التصدير للفتوى
وإذا كان هذا هو مقام التجربة والأدب، فإن للعلم أرباباً وللفتوى رجالاً. فليس كل من أتقن لساناً صار فقيهاً، ولا كل من سود صحيفةً غدا حجة. فالعلماء الذين يُؤخذ عنهم العلم، وتُشد إليهم الرحال، وتُلقى إليهم أزمّة الفتيا، وضِعت لهم عند أهل الأثَرة والتخصص شروطٌ صارمة وقواعد راسخة، لا تقتصر على التحصيل العفوي، بل تتعداه إلى علوم الآلة وصفاء السيرة:
التلقي والمشافهة (عن أفواه الرجال لا من بطون الكتب): فالكتاب وحدَه يمنح المسائل ولا يمنح الفهم، ويثبت النصوص ولا يورث المَلَكة. ولهذا قيل قديماً: "من كان شيخه كتابه، كان خطؤه أكثر من صوابه". فالجلسة بين يدي المشايخ ( العلماء ) تُورث السمت، وتضبط الدقيقة، وتفتح المغلق.
التحقق بعلوم الآلة والتخصص الدقيق: فالواقع يشهد بأن الفن الواحد يتشعب حتى يعجز العمر عن استيعابه كاملاً. ولنا في اللغة العربية خير مثال؛ فقد عدّ العلماء علومها وأركانها بأربعة عشر فرعاً (من نحوٍ، وصرفٍ، واشتقاقٍ، ومعانٍ، وببيانٍ، وبديعٍ، وعروضٍ، وغيرها)، فإذا كان هذا التفرع في آلة الفهم واللسان، فكيف بمن يتصدى لاستنباط أحكام الشريعة؟
الورع والصلاح وحسن السيرة: الفتوى توقيعٌ عن رب العالمين، ولا يُؤتمن على هذا التوقيع إلا من عُرِف بالصلاح وحسن السيرة والورع الحجز؛ فالعلم نورٌ لا يُؤتاه إلا من طهّر الله قلبه وسريرته.
الخشية والاستقلال عن الأهواء: من أعظم شروط المفتي ألا يخشى في الله لومة لائم، وأن يتجرد من حظوظ النفس، ورغبات الخلق، وضغوط العصر؛ فلا يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، ولا يفتي إلا بما أداه إليه الدليل والتقوى.
الإجازة والأهلية المعتمدة: التحقق بشهادة أهل الفن والرسوخ له بالتأهل، ومعرفة مقاصد الشريعة، وربط الأحكام بمساقط الواقع، ودرايةٍ ببدائع النوازل وزمان الناس.
أما نحن، فما أردنا إلا صفاً مع البسطاء، ورسالةً من مجربٍ محب، وكلمةً طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. لا ندعي علماً، ولا نُفتي في دين، ولا نتحمل عهدة التصدير، وإنما ننقل قبساً من نسيج الحياة، سائلين الله أن يتقبل القليل، وأن يبارك في الأثر، وأن يجعل ما نكتبه شاهداً لنا لا علينا يوم نلقاه .

Add comment

Comments

There are no comments yet.