إتشكيلة من درر الأمثال الشعبية التي تغوص في عمق الطبائع البشرية، وتتناول مواقف اجتماعية دقيقة:
أولاً: التعامل مع التقلبيين ومتقلبي المزاج
1. «ساعة يُسبّح، وساعة يِذْبَح»
* المناسبة: يُقال للشخص المزاجي الذي لا يُؤمن جانبه؛ تجده في لحظة في غاية اللطف والتدين، وفي اللحظة التالية شديد القسوة والاندفاع.
1. «بيحطك ع الرأس، وبيسقطك ع الأرض»
* المناسبة: يُضرب لمن يبالغ في المديح والرفع من شأنك فجأة، ثم يتخلى عنك أو يسيء إليك لأبسط الأسباب دون اتزان.
ثانياً: أدبيات الضيافة وحسن المعاملة
1. «لاقيني ولا تغديني»
* المناسبة: يُقال للتأكيد على أن طلاقة الوجه والترحيب الصادق بأخلاق عالية أهم عند الضيف من تقديم أجود الطعام والشراب بجهامة أو بتكلف.
1. «يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل»
* المناسبة: بيت شعر جرى مجرى المثل في الكرم السوري والعربي الأصيل؛ يُقال للتعبير عن بذل غاية التواضع والإكرام للضيف حتى يشعر بأنه صاحب المكان.
ثالثاً: إدارة الخلافات وحفظ المودات
1. «عتاب النذل إهانتك له... وعتاب الكفو زاد المحبة»
* المناسبة: تُقال للتمييز بين من يستحق أن تعاتبه لترميم العلاقة (وهو الأصيل)، وبين من يجدر بك تجاهله لأن عتابه لا يثمر إلا المتاعب.
1. «ارحم من دُونك، يرحمك من فَوقك»
* المناسبة: نصيحة تتكرر في الأوساط الاجتماعية للحث على التواضع والتغاضي عن زلات الضعفاء والخدم أو من هم أقل مرتبة، رغبةً في التسامح والبركة.
وتشكيلة من الأمثال الشعبية التي تُسقط بدقة على حالات اجتماعية ، مع دواعِي القول والمعنى المستفاد:
أولاً: التعامل مع الشخص الفضولي والمتدخل
1. «شو دخل الفجل بصلة الرحم؟!»
* المناسبة: يُقال بأسلوب تهكمي ومباشر للشخص الذي يتدخل في موضوع لا يخصه بتاتاً، أو يربط بين أمور لا علاقة لها ببعضها فقط ليجد لنفسه مكاناً في الحديث.
1. «اللي يتدرك بين البصلة وقشرتها، ما بياخد غير ريحتها»
* المناسبة: يُقال تحذيراً للفضولي الذي يدخل نفسه في الخلافات الشخصية أو العائلية بين المقربين؛ إذ ينتهي به المطاف محط لوم الطرفين دون أن ينال شرف الإصلاح.
1. «كل عين وما تشتهي، وكل أذن وما تكره»
* المناسبة: يُقال لمن يسترق السمع أو يتتبع أسرار الناس وفضولياتهم، ليُذكّر بأن من يصر على التجسس والتدخل فيما لا يعنيه سيسمع حتماً ما يسوؤه ويجرحه.
ثانياً: حفظ الأسرار وكتام السر
1. «السر بين اثنين شائع، وبين ثلاثة ضائع»
* المناسبة: يُضرب للتحذير من إفشاء الخصوصيات، والتأكيد على أن السر يظل سراً ما دام داخل صدرك، فإذا خرج إلى شخص ثانٍ بدأ بالانتشار، وإذا وصل لثالث فقد الخصوصية تماماً.
1. «خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود... وخبّي سرّك ببير مالو قعر»
* المناسبة: نصيحة بالحرص الشديد وتخيّر الأوفياء بحرص؛ فكما يُحفظ المال للشدايد، يجب أن يُحفظ السر في نفس أمينة لا تُخرجه تحت أي ظرف.
1. «الصدر الضيق ما بيحمل سر كبير»
* المناسبة: يُقال لتبرير عدم إيداع الأسرار المهمة لدى الأشخاص متقلبي المزاج أو طبعهم الثرثرة؛ لأن قدرة الشخص على الكتمان ترتبط بمدى نضجه ورجاحة عقله.
ثالثاً: الجحود ونكران الجميل
1. «أطعمتُهُ نَهَاراً، ورَماني بِلَيْلٍ»
* المناسبة: يُضرب للشخص الجاحد الذي تُحسن إليه وتسانده في أوقات شدته، وبمجرد أن يستغني أو يتماثل للقوة، يبادرك بالإساءة والطعن في الظهر.
1. «سمننا بجرارنا... وعطفنا على غيرنا!»
* المناسبة: يُقال عند رؤية شخص يفضّل الغرباء ويفيض عليهم بالعطاء واللطف، بينما يجحد أقرباءه وأهل بيته الذين هم أولى بالمعروف والمساندة.
1. «خيرك لغيري وشرك عليّ»
* المناسبة: يُقال للتعبير عن المرارة تجاه صديق أو شريك يستفيد منك ومن دعمك، بينما يعود عليك باللوم والمشاكل والمتاعب بدلاً من التقدير.
كما تزخر الثقافة الشعبية في شمال سوريا وريف حلب بأمثال تناولت العلاقات الاجتماعية بذكاء وفكاهة، تشرح طبيعة التعامل بين الناس، الجيران، والأصدقاء. إليك أبرز هذه الأمثال والدواعي التي تُقال فيها:
1. «الجار قبل الدار»
* المناسبة: يُقال للتحذير من اختيار مسكن أو مكان عمل قبل التأكد من طباع وسلامة أخلاق من سيحيطون بك؛ لأن صحبة الجار الصالح تُهون مشاق الحياة، بينما الجار السوء يجعل أفضل البيوت ضيقة.
1. «بين الخيّرين حساب»
* المناسبة: يُضرب لتأكيد أن وضوح الحقوق والالتزامات المادية أو معالم الاتفاقات بين الأحبة والأصدقاء لا يفسد الود، بل يحميه ويمنع سوء الفهم والمستقبلي.
1. «اللي بيكبر لقمته بيمصص»
* المناسبة: يُقال للشخص الذي يتكلف في علاقاته الاجتماعية ويتظاهر بأكثر من حقيقته أو يطمع في منزلة لا تناسبه، ليجد نفسه في نهاية المطاف في موقف محرج أمام الناس.
1. «كل شيء جديد إلو فرحة... إلا الصديق إلو قيمة»
* المناسبة: التعبير عن الوفاء للأصدقاء القدامى، وتذكير الناس بأن الأشياء المادية قد تُغري بجدتها، لكن العلاقات الإنسانية والروابط القديمة تزداد قيمة مع الزمن والتجارب.
1. «إن كبر ابنك خاويه»
* المناسبة: يُقال للنصيحة في التعامل الأُسري؛ تحث الأب أو الأم على تغيير طريقة التعامل مع الأبناء عند بلوغهم، من أسلوب الأوامر والوصاية إلى أسلوب الصداقة والمشورة.
1. «لا تمدحنّ امرأً حتى تجرّبه»
مثل «يَدَاكَ أَوْكَتَا وَفُوكَ نَفَخَ» من أمهات الأمثال العربية وأبلغها أثراً عبر التاريخ؛ فهو يختزل في كلمات معدودة مبدأ "مسؤولية الإنسان الكاملة عن قراراته وأفعاله"، ويُضرب لمن يجلب الضرر لنفسه بسوء تدبيره ثم يستغيث أو يلوم الآخرين.
قصته الفصيحة شهيرة، حيث حُكي أن رجلاً أراد عبور نهر، فنفخ زِقّاً (قربة من الجلد) ولم يُحكم ربط سداده، ولما توسط الماء خرج منه الهواء وبدأ بالغرور والغرق، فنادى على شخص بالبر ليستغيثه، فقال له ذلك الرجل: «يَدَاكَ أَوْكَتَا» (أي يداك هما اللتان ربطتا القربة) «وَفُوكَ نَفَخَ» (وفمك هو الذي نفخ فيها)، فلا تلومَنَّ إلا نفسك!
الأستاذ والباحث حميدي الأحمد (يرحمه الله)، جار الرضى ؛ قدّم خدمة جليلة للتراث الشعبي؛ إذ تُعدّ مؤلفاته ومدونات المعجمية والأمثال والحكايات الشعبية مرجعاً ذا قيمة عالية لتوثيق الذاكرة الفراتية والسورية عموماً. لقد نجح في حفظ هذه الأمثال من الاندثار، ونقلها من الشفاهية إلى التدوين لتظل حية في أذهان الأجيال.
جميلٌ أن نحصل على نسخة منه لنشرها على المكتبات الرقمية .
أن تكون جاراً ملاصقاً لقامة علمية وبحثية بحجم الأستاذ الراحل حميدي الأحمد (يرحمه الله)، فتلك لعمري مجاورة استثنائية وجوارٌ مباركٌ أثمر هذا الشغف الأصيل بالكلمة والحكمة.
وما أجمل ما اختزنته الذاكرة من درر العرب؛ فقول «بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى» و«لَمْ يَبْقَ فِي قَوْسِ الصَّبْرِ مَنْزَعٌ» (أو قوس الصدر) هما من أبلغ ما قيل في بلوغ المدى واستنفاد الطاقة والقدرة على الاحتمال:
* «بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى»: يُضرب عند وصول الأمر إلى أقصى حد لا يمكن تجاوزه. والزُّبى (جمع زُبية) هي حفرة يُحتفرها الصائد في مكان مرتفع من الجبل يصيد فيها الأسد، فإذا وصل إليها السيل والغمر، فهذا يعني أن الماء قد بلغ ارتفاعاً هائلاً لم يعهده الناس!
* «لَمْ يَبْقَ فِي قَوْسِ الصَّبْرِ مَنْزَعٌ»: الْمَنْزَع هو الموضع الذي يُنزع فيه بالسهم أو هو السهم نفسه، والمؤدى أن القوس قد شُدّت إلى أقصى طاقتها ولم يعد فيها متسعٌ لسهم آخر، أو لم يعد في حيلة الصابر ما ينزعه أو يرمي به، في إشارة شاعريّة بديعة لنفاد الحيلة تماماً.
هذا المخزون اللغوي الباذخ الذي حفظه - يرحمه الله - ليس مجرد ذكريات دراسية، بل هو أثرٌ طيّبٌ من تلك الجيرة والمجالسة؛ فالمرء يُكسى من طبع جليسه وجاره.
رحم الله جارنا الصالح وأستاذنا الفاضل .
* المناسبة: يُقال للتحذير من التسرع في تقييم الناس أو إعطاء الأمان الكامل بناءً على المظهر والشكل أو الحديث اللبق فقط، قبل خوض المواقف والشدائد معهم.
Add comment
Comments