مفهوم الدولة المعاصرة…

بين وظيفية المؤسسات ورشادة الوعي الجمعي .

إنّ الناظر في صيرورة التاريخ وتطور المجتمعات الإنسانية يدرك تماماً أن الغاية الأسمى لقيام الحكومات والدول لا تكمن في فرض أيديولوجيات صلبة أو محاكاة نماذج تاريخية بأعيانها، وإنما في تحقيق مقاصد وجودها الجوهرية: بسط العدل بين الناس على اختلاف مشاربهم، وتوفير الأمن والأمان بشقيه المادي والمعنوي. فالدولة المعاصرة في جوهرها هي كيان وظيفي أخلاقي، يُقاس نجاحه بمدى قدرته على صون الكرامة، وحماية الحقوق، وبناء المؤسسات القادرة على الخدمة والرعاية.
وحين أكتب هذه الكلمات، أكتبها وقلبي معلّق بوطني سوريا؛ هذا البلد العظيم الذي ولدتُ فيه، وعشتُ فيه ثلث عمري، ورضعتُ من هوائه وترابه حب الخير والاستقرار. وإنني لإدراكاً مني لطبيعة الواقع، أعلمُ تماماً أن هناك من قد يقول: "عِش بيننا أولاً، ويكفيك التغني من بعيد قبل أن تتحدث عن واقعنا"— وهو قولٌ أستقبله ببالغ التقدير والتفهم؛ فمن يكتوي بنار اليوميات وتحديات المعيشة ليس كمن ينظر إليها عن بُعد. غير أن حب الوطن والانتماء لرابطة الدم والأرض ليس مجرد جغرافيا تتغير بالابتعاد، بل هو محبة صادقة ووفاء دائم يدفعان الإنسان للحرص على أهل بيته ووطنه أينما كان، وسعيه الدائم لأن يراهم في خير وأمان.
إنّ الإصلاح الحقيقي في النظم المعاصرة يبدأ من التمييز بين التقييم المؤسسي الموضوعي وبين الانجراف عالي العاطفة. إنّ الوصول إلى مرحلة يُستجوب فيها المسؤولون والوزراء تحت قبة البرلمان أو المجالس التمثيلية، ويُطالبون بالبيانات والحجة والبرهان، هو في ذاته مظهر من مظاهر التحول نحو مأسسة الدولة وتكريس مبدأ الشفافية والمساءلة. وهذه خطوات تؤسس لمستقبل أفضل متى ما حُفظت ورُعيت بنضج وعقلانية.
إن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تخلفها الأزمات الكبرى لا تُحل بالأمنيات، ولا تُعالج في يوم وليلة، بل تتطلب تراكماً مؤسسياً وصبراً وتكاتفاً بين أبناء الوطن جميعاً . والوقوع في شباك التهجم، أو الانسياق خلف خطاب الشتائم والتجريح، لا يخدم سوى حالة التشرذم، ويستنزف الطاقات التي ينبغي أن تُوجه للبناء والترميم.
إن الوعي الحقيقي يقتضي منا جميعاً— داخل الوطن وخارجه — أن نكون عيناً بصيرة، نحفظ المكاسب ونشجع الممارسات المؤسسية الرشيدة، ونزن الأمور بميزان العقل والإنصاف؛ لتبقى سوريا دائماً ، كما نتمنى ونرجو، أرضاً للعدل والأمان، ومستقراً للكرامة والازدهار.

Add comment

Comments

There are no comments yet.