ذكرى الميلاد… حين تتحوّل الفكرة إلى عبء
كثير من الناس يتعاملون مع ذكرى الميلاد على أنها عادة اجتماعية بريئة؛ كلمات تهنئة، وربما هدية صغيرة، ثم يمضي الأمر. لكن التأمل الهادئ يكشف أن المسألة ليست بهذه البساطة.
فالأصل التاريخي لهذه المناسبة لا يعود إلى تقاليد إنسانية عامة، ولا إلى ثقافتنا الاجتماعية، بل إلى طقوس قديمة نشأت في حضارات وثنية كانت تربط يوم الميلاد بطالع الإنسان وحظه، وتحيط ذلك اليوم بشيء من المراسم والاحتفالات. وليس من بعيد ، بل عقود من الزمن بدأ شياطين الجن والإنس بإعادة إحيائها حتى استقرّت في حياة الناس كأنها أمر طبيعي لا يُسأل عن أصله.
لكن المشكلة الحقيقية لا تقف عند أصل الفكرة، بل عند ما آلت إليه في حياتنا اليومية.
فلو نظر الإنسان في دائرة عائلته فقط، لوجد نفسه أمام عدد لا يُحصى من “الأعياد”. في تجربتي الشخصية مثلاً: لدي ستة أولاد، ولكل واحد منهم زوج أو زوجة، ومن الأحفاد نحو عشرين. ثم هناك إخوتي العشرة، ومعهم الأزواج والزوجات، هذا فضلاً عن الأقارب والأصدقاء والزملاء. بل إن إحدى شقيقاتي ومنذ عدة سنوات بلغ تعداد أسرتها وحدها ما يزيد عن الخمسين شخصاً .
يعتي يتحول العام كله إلى تقويم مزدحم بالمناسبات؛ فلا يكاد يمر أسبوع دون “عيد ميلاد”. ومع هذا التكرار تفقد المناسبة معناها، وتتحول إلى التزام مرهق، من كل الجوانب .
والسؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا:
هل تحتاج المودة بين الناس إلى تاريخ محدد في التقويم كي تظهر؟
إن العلاقات الصادقة لا تقوم على طقوس مستوردة ولا على مواعيد سنوية متكررة، بل تقوم على صدق الودّ، وعلى السؤال الصادق، وعلى حضور القلب حين يحتاجه الأحبة.
ولعل الحكمة أن تبقى المودة حاضرة في الأيام كلها، لا أن تختزل في يوم واحد من كل عام، ولا أن تُثقِل القلوب بطقوس لا أصل لها ولا حاجة إليها.
Add comment
Comments