جاوزت السبعين… وما زال الخلاف قائماً على عمري!
بعد أن جاوزت السبعين، اكتشفت أن هناك خلافاً داخل جسمي حول تحديد عمري الحقيقي… ويبدو أن القضية لن تُحسم قريباً!
القلب والفؤاد مصرّان على أنني ما زلت شاباً، بل إنهما أحياناً يتصرفان وكأنني ما زلت مراهقاً؛ أفرح باللقاء، وأحب الحكايات والتبسم ، وتأتيني الأفكار والمشاريع وكأن العمر أمامي بلا حدود.
لكن المشكلة أن الركب والمفاصل تحتفظ بنسخة محدثة من تاريخ الميلاد! كلما خطرت للقلب فكرة شبابية، تحمّس لها وبدأ يخطط لتنفيذها على أرض الواقع، وكأنه لم يسمع أصلاً بأننا جاوزنا السبعين!
لكن المفاصل والركب لها دائمًا رأيٌ آخر، فتبعث رسائلها بطريقتها الخاصة: صرصرة خفيفة، ووجع من هنا وهناك، ويأتي ضيق النفس أحياناً مؤيداً للقرار… وكأنها جميعاً عقدت اجتماعاً طارئاً لتقول للقلب: «الحماس ممتاز… لكن دعنا نراجع الإمكانيات أولاً!»
أما أعضاء الجسم، فقد شكّلوا فيما بينهم لجنةً دائمة لمراقبتي، ويبدو أن اجتماعاتها مفتوحة على مدار الساعة! أتحرك حركة سريعة… فتعترض الركب. أبذل مجهوداً بسيطاً… يشتكي الظهر. أطيل الجلوس… تعلن المفاصل عن وجودها وأن لها رأياً في الموضوع!
وهكذا أصبحت أعيش بين فريقين: قلب ما زال يحسب العمر في فئة الشباب… وجسد يحتفظ بجميع الوثائق الرسمية التي تثبت عكس ذلك!
والأطرف أنك عندما تجتمع بأصحابك القدامى، يختفي رقم السبعين فجأة. تبدأ الحكايات عن المدرسة والشباب والعمل، وتعود المواقف والذكريات، وتتعالى الضحكات، ويصبح الجميع في فئة الشباب من جديد… إلى أن يحين وقت القيام عن الكرسي!
هنا تنتهي رحلة العودة إلى الشباب، ويبدأ كل واحد منا عملية النهوض على مراحل… واحدة لفك الظهر، والثانية لإقناع الركب، والثالثة للتأكد أن جميع القطع تحركت معه!
ومع ذلك، أرى أن أجمل ما في هذه المرحلة أن يكبر العمر ولا تشيخ الروح. فليس المطلوب أن ننكر أعمارنا أو نتحدى أجسادنا؛ لكل مرحلة جمالها، وللجسد حق علينا أن نعتني به ونستمع إليه. لكن ليس من العدل أن نضيف إلى أعمارنا سنوات لم نعيشها بعد!
نعتني بصحتنا، ونمشي قدر استطاعتنا، ونلتزم بما ينفعنا، ونخفف ما يضرنا… لكن لا نتقاعد من الفرح، ولا من التبسم، ولا من لقاء الأحباب، ولا من تعلّم شيء جديد. فالتقاعد من العمل مفهوم… أما التقاعد من الحياة، فلم أجد له حتى الآن نظاماً يلزمنا به!
والسبعون وما بعدها ليست نهاية الطريق، بل مرحلة جديدة لها جمالها وحساباتها الخاصة؛ المرء أصبح أكثر خبرة، والقلب ما زال متحمساً، والمفاصل فقط تطلب أن يتم إشعارها مسبقاً بأي مشروع جديد!
أما أنا، فسأترك القلب يعيش العمر الذي يحبه، وأعطي الركب والمفاصل حقها في الاعتراض، وأتعامل مع معاناة الجسم باعتبارهم ضيوفاً يطهرنا ربي بهم بفضله ورحمته… مهما طال مقامهم، فالتعامل معهم بالحكمة أفضل من الدخول معهم في مشاجرات يومية!
وفي النهاية… السنوات تُحسب في الأوراق، والشيب يظهر في الشعر، والعمر يترك أثره على الجسد… أما شباب الروح، فلا يعرف تاريخ الميلاد.
اللهم وفقنا للعلم النافع، والعمل الصالح، والتوبة الصادقة، وحسن الحياة، وحسن الختام. والحمد لله حمدًا كثيرًا على جميع نعمه.
(منقول بتصرف)
Add comment
Comments