حين يصبح الجهلُ أخطرَ من الجهلِ
ليس كلُّ جاهلٍ أمياً،
فقد يحمل المرءُ شهادةً، ويجيدُ حفظَ المقررات، ويجتازُ الامتحانات، ثم يخرجُ إلى الحياة عاجزاً عن فهمها، أو فهم نفسه، أو التمييز بين الحقِّ والوهم.
إنَّ التعليمَ الذي يعلّمُ الطالبَ كيف ينجح في الامتحان ولا يعلّمه كيف ينجح في الحياة، إنما يصنعُ حافظاً للمعلومات، لا إنساناً قادراً على التفكير.
والأخطرُ من الجاهلِ من يخافُ السؤال؛
لأنَّ السؤالَ بدايةُ المعرفة،
ومن أغلقَ بابَ السؤالِ أغلقَ على عقله بابَ النور.
لا تخفْ من جاهلٍ يسأل:
فالذي يسألُ يعترفُ بأنَّ في علمه نقصاً، والنقصُ الذي نعرفه يمكنُ أن نعالجه.
ولكن احذرْ من جاهلٍ لا يسألُ ولا يعلمُ، ومع ذلك يظنُّ أنَّه يعلمُ كلَّ شيءٍ؛
فهذا هو الجهلُ المقنَّع، وهو أشدُّ خطراً من الجهلِ الصريح.
العلمُ الحقيقيُّ لا يجعلُ صاحبه أكثرَ غروراً، بل أكثرَ تواضعاً؛
فكلما اتسعتْ دائرةُ معرفته، اتسعتْ أمامه دائرةُ ما يجهله.
ولهذا قالوا قديماً:
«من ظنَّ أنَّه قد علم، فقد بدأ جهله.»
فالمدرسةُ التي تخرّجُ موظفين فقط، قد تنجحُ في صناعةِ الأيدي،
أما المدرسةُ التي تخرّجُ عقولاً تسأل، وقلوباً تعقل، ونفوساً تعرفُ مسؤوليتها، فهي التي تصنعُ الأمم.
إننا لا نحتاجُ إلى جيلٍ يحفظُ أكثر،
بقدر ما نحتاجُ إلى جيلٍ يفكّرُ أعمق، ويسألُ أصدق، ويمتلكُ شجاعةَ أن يقول: لا أعلم.
فـ «لا أعلم» ليست عيباً في العلم،
بل هي أولُ كلمةٍ صادقةٍ في طريقه.
أما أخطرُ الظلمات، فليست ظلمةَ الجهل،
بل ظلمةُ الوهم حين يلبسُ ثوبَ العلم.
وحينئذٍ لا يعودُ العلمُ نوراً يبددُ الظلام،
بل تصبحُ المعرفةُ نفسها حجاباً، إذا فقدتْ التواضعَ والبصيرةَ والغايةَ.
فالعلمُ نورٌ، نعم؛
لكنَّ النورَ لا ينفعُ عيناً أصرّتْ على إغماضها.
Add comment
Comments