ليس السؤال: هل يستحق؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إنَّ لي قرابةً أصلُهم ويقطعونني، وأُحسنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلمُ عنهم ويجهلون عليَّ. فقال رسول الله ﷺ: «لَئِن كنتَ كما قلتَ، فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزالُ معكَ من اللهِ ظهيرٌ عليهم، ما دمتَ على ذلك». رواه مسلم.

ليس في الحديث سؤالٌ عن استحقاق أولئك الأقارب للصلة والإحسان؛ فالرجل قد وصف حالهم وصفاً لا يترك كثيراً من مجال للشك: هو يصل وهم يقطعون، ويحسن وهم يسيئون، ويحلم وهم يجهلون.

ومع ذلك لم يقل له النبي ﷺ: اقطعهم كما قطعوك، ولا عاملهم بمثل ما عاملوك. بل ثبَّته على ما هو عليه، وأخبره أنَّ له من الله ظهيراً ما دام ثابتاغ على ذلك.

وفي قوله ﷺ: «فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ» صورةٌ شديدة الدلالة؛ فالملُّ هو الرماد الحارُّ، والمعنى أنَّ إحسان المحسن إلى من يسيء إليه يضع المسيء في موقفٍ من الحرج والإثم، حتى كأنما يُطعمه الرماد الحارَّ. وليس المقصود أنَّ الإحسان انتقامٌ مقنَّع، وإنما أنَّ المرء حين يصرُّ على خُلُقه الكريم لا يسمح لإساءة غيره أن تُفسد معدنه.

وهنا تكمن القضية.

ليست القضية: هل يستحق هذا القاطع أن تصله؟

ولا: هل يستحق هذا المسيء أن تحسن إليه؟

فلو جعلنا استحقاق الناس شرطاً لأخلاقنا، لأصبحت أخلاقنا انعكاساً لأخلاقهم؛ نكرم إذا أكرموا، ونصل إذا وصلوا، ونحسن إذا أحسنوا، ونغفر إذا غفروا.

وهذا ليس هو مقام الكبار.

الكبير لا يجعل أخلاقه رهينةً لأخلاق غيره.

ومن المعاني نفسها قال المقنع الكندي:

يُعاتِبُني في الدَّينِ قومي وإنَّما
دُيونيَ في أشياءَ تُكسِبُهم حَمدَا

أَسُدُّ بهِ ما قد أخلُّوا وضيَّعوا
ثُغورَ حقوقٍ ما أطاقوا لها سَدَّا

وإنَّ الذي بيني وبينَ بني أبي
وبينَ بني عمّي لمُختلِفٌ جدَّا

أَراهم إلى نصري بِطاءً وإن همُ
دَعَوني إلى نصرٍ أتيتُهم شَدَّا

فإن يأكلوا لحمي وَفَرتُ لحومَهم
وإن يهدموا مجدي بنيتُ لهم مجدَا

وإن ضيَّعوا غيبي حفظتُ غيوبَهم
وإن هم هَوَوا غيِّي هويتُ لهم رُشدَا

ثم يقول:

ولا أحملُ الحقدَ القديمَ عليهمُ
وليسَ رئيسُ القومِ مَن يحملُ الحقدَا

ليس المقنع هنا رجلاً لا يرى إساءة قومه، ولا رجلاً عاجزاً عن ردِّها؛ بل هو رجلٌ يعرف ما يفعل، ويختار أن يكون أكبر من الإساءة التي وُجِّهت إليه.

وهذا هو الفارق.

أن تعفو وأنت عاجز شيء، وأن تملك القدرة على المقابلة ثم تختار ألّا تفعل شيء آخر.

أن تصل من وصلك شيء، وأن تصل من قطعك شيء آخر.

أن تحسن إلى من أحسن إليك أمرٌ تقتضيه المروءة، أما أن تبقى محسناً حين يكون المقابل مسيئاغ، فهنا تظهر حقيقة الخُلُق.

لكن ذلك كله لا يعني أن الإنسان مطالبٌ بأن يقبل الظلم، أو أن يعرّض نفسه للأذى، أو أن يترك للآخرين حق انتهاك حدوده. صلة الرحم لا تعني إلغاء الكرامة، والعفو لا يعني الاستسلام، والإحسان لا يعني أن يصبح الإنسان مطيّةً للإساءة.

إنما المعنى أن لا تسمح لإساءة الآخرين أن تنقلك من خُلُقٍ تعرفه عن نفسك إلى خُلُقٍ يفرضونه عليك.

فالأخلاق، في جوهرها، ليست مكافأةً لمن استحق، ولا ردّاً آليّاً على ما فعله الآخرون؛ إنها اختيارٌ للذات، وإعلانٌ عمّن نريد أن نكون، حتى حين لا يمنحنا الناس سبباً سهلاً لذلك.

ولهذا لا يكون السؤال الحاسم: هل يستحق أن أصلَه؟ بل: أيُّ إنسان أريد أن أكون أنا؟ هل أترك إساءته تحدد خُلُقي، فأصبح صورةً أخرى منه، أم أظل وفيّاً للقيمة التي اخترتها لنفسي، مع حفظ كرامتي وحدودي؟

فالكبير لا يحتاج إلى أن يصغّر غيره لكي يبدو كبيراً ، ولا يجعل انحطاط غيره مبرراً لانحطاطه. إنه يحسن لا لأن الآخرين أحسنوا، بل لأن الإحسان جزءٌ من اختياره لنفسه.

ومن هنا يعود السؤال الأخير إلى أصله:

إذا كانت الأخلاق اختياراً للذات لا مكافأةً لاستحقاق الآخرين، فهل يليق موقف الصغار بالكبار؟!.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador