🌷
**ما الذي صنعته الغربة؟**
لم أكن أعرف، حين غادرت، أن الغربة ستعيد تشكيل الإنسان في داخلي.
كنت أظن أنني سأبقى كما أنا، وأن السنوات، مهما طالت، لن تفعل أكثر من أن تضيف بعض التجاعيد إلى الوجه، وبعض الشيب إلى الرأس.
لكنني كنت مخطئاً.
السنوات لا تمر فوق الإنسان.
تمر **فيه**.
تأخذ منه أشياء، وتضع فيه أشياء أخرى.
تعلمه الصمت حين كان يتكلم كثيراً، والحذر حين كان يثق سريعاً، والصبر حين كان يريد لكل شيءٍ أن يحدث الآن.
وأنا...
تعلمت.
تعلمت أن أبدأ من الصفر دون أن أشكو.
وأن أبحث عن عملٍ حين لا يكون في الجيب إلا القليل.
وأن أضحك أمام أولادي حتى لا يروا خوفي.
وتعلمت أن أكون أباً في الأيام التي كنت فيها بحاجةٍ إلى أب.
لم يكن سهلاً.
لكن الإنسان لا يعرف مقدار ما يستطيع احتماله إلا حين لا يبقى أمامه خيارٌ آخر.
كنت أعود إلى البيت متعباً.
أحياناً لا أملك رغبةً في الكلام.
فأجد أحد الأولاد ينتظرني ليسألني عن شيءٍ صغيرٍ في المدرسة، أو عن وعدٍ قطعته له قبل أيام.
فأبتسم.
وأجيب.
ثم أذهب إلى غرفتي.
أغلق الباب.
وأجلس وحدي.
لم أكن أريدهم أن يروا التعب.
كان يكفيني أن أراه أنا.
ومرت السنوات بهذه الطريقة.
شيئاً فشيئاً، أصبح البيت عالمي.
كبر الأولاد.
واحدٌ بعد آخر.
وأنا أراقبهم كما يراقب الأب شجرةً زرعها بيده، ثم يفاجأ ذات صباحٍ بأنها أصبحت أعلى منه.
لم أعد أستطيع أن أحملهم كما كنت.
صار لكل واحدٍ منهم رأيه، وطريقه، وأحلامه.
وهنا اكتشفت أن الأبوة أيضاً نوعٌ من الفراق.
ففي البداية تحمل أبناءك بين ذراعيك.
ثم تحمل أيديهم.
ثم تمشي إلى جانبهم.
ثم تكتشف أنهم صاروا يمشون وحدهم.
وتفرح...
وتحزن في الوقت نفسه.
لأنك تعرف أن جزءاً من مهمتك قد انتهى.
كنت أنظر إليهم أحياناً وأقول في نفسي:
ترى، هل يعرفون كم أخفيت عنهم؟
هل يعرفون أنني كنت أخاف عليهم أكثر مما كنت أخاف على نفسي؟
هل يعرفون أن كثيراً من القرارات التي بدت لهم عاديةً كانت بالنسبة إليَّ معاركَ طويلةً؟
ربما لا.
وربما لا يحتاج الأب أن يعرف أبناؤه كل ما تحمله من أجلهم.
يكفي أن يصلوا إلى بر الأمان.
ويكفي أن يجدوا طريقهم.
أما هو...
فيستطيع أن يحتفظ بما تبقى له من التعب.
وحين كبروا أكثر، بدأ البيت يتغير.
غرفٌ كانت تضج بالأصوات أصبحت هادئةً.
أشياء كانت مبعثرةً في كل مكانٍ اختفت.
حتى المائدة التي كانت تجمعنا كل يومٍ لم تعد تجمع الجميع.
كنت أجلس أحياناً وحدي، فأرفع عيني إلى المقاعد الفارغة.
وأفكر:
هكذا إذاً تمضي الحياة.
لا تأخذ منا أحباءنا دائماً بالموت.
أحياناً تأخذهم منا **بالكبر**.
يكبرون، فيبتعدون.
يتزوجون.
يبنون بيوتاً.
تصبح لهم عائلاتهم.
ونحن نفرح لهم، ثم نعود إلى بيوتنا ونكتشف أن البيت صار أوسع مما ينبغي.
في تلك السنوات، بدأت أفهم شيئاً آخر عن زوجتي.
كنت أفتقدها من قبل بوصفها زوجتي.
أما الآن، فصرت أفتقدها بوصفها الشخص الذي كان يشاركني هذه التفاصيل كلها.
كانت تعرف كيف تملأ البيت.
كيف تجمع الأولاد.
كيف تجعل من أبسط الأشياء مناسبةً للفرح.
وحين رحلت، لم أفقد امرأةً أحببتها فقط.
فقدت **شاهداً على حياتي**.
شخصاً يستطيع أن يقول لي:
نعم، أتذكر ذلك اليوم.
نعم، كان ابننا يومها صغيراً.
نعم، كنا هناك.
وهذا ربما هو أقسى ما في الفقد.
أن يرحل شخصٌ يحمل معه جزءاً من ذاكرتك، فلا يعود في العالم من يستطيع أن يشهد لك بأن ما تتذكره كان حقيقةً.
كنت أحتفظ بالكثير من الأشياء.
صورٍ قليلة.
رسائل.
أوراقٍ قديمة.
لكنها لم تكن تكفيني.
فالورق لا يضحك.
والصورة لا تجيب.
والرسالة لا تستطيع أن تقول:
«أنا هنا.»
ولهذا، ربما، أصبحت الذاكرة أكثر أهميةً عندي.
كلما فقدت شيئاً في الخارج، عدت إلى الداخل.
وهناك...
كان كل شيءٍ ما يزال موجوداً.
الأم.
الأب.
الأخت الصغيرة.
البيت.
الحارة.
الأصدقاء.
الأطفال وهم يركضون.
والمرأة التي كانت يوماً تملأ البيت حياةً.
كلهم كانوا هناك.
لكنني كنت أعرف شيئاً واحداً:
**أن الذاكرة لا تكفي إلى الأبد.**
فالإنسان يحتاج أحياناً إلى أن يرى بعينيه ما بقي.
أن يلمس الجدار.
أن يمشي الطريق.
أن يجلس إلى من بقي من أهله.
لا ليستعيد الماضي...
بل ليعرف أين يقف الآن.
وهكذا، من غير أن أعلن ذلك لنفسي، بدأت فكرةٌ قديمةٌ تعود.
بهدوءٍ شديد.
لم تكن قراراً.
ولم تكن خطةً.
كانت مجرد سؤالٍ صغيرٍ أخذ يكبر في داخلي:
**ماذا لو عدت؟**
🍇🌷
Add comment
Comments