حين طلع الصباح

مع أول خيطٍ من ضوء الشمس،
وقبل أن يستيقظ النهار تماماً، رنّ الهاتف.

كان صوت ابنتي الصغرى.
قالت بصوتٍ حاول أن يبدو عادياً، لكنه لم يستطع أن يخفي ارتجافه:
«بابا… أنت بخير؟»

توقفت عند السؤال.
ليس لأن الاطمئنان عليّ غريب منها؛ فهي أكثر أولادي التصاقاً بي،
اتصالها صباحاً ومساءً، وما بينهما، جزء من يومي منذ سنوات.
لكن السؤال هذه المرة لم يكن كسابقاته.

كان في نبرتها شيء يشبه القلق الذي يسبق الخبر…
القلق الذي يشعر به القلب قبل أن يعرف العقل السبب.

قالت إن اتصالاً غامضاً وصل إلى زوجها،
وأنه في ثوانٍ — كما وصفت — لبس ثيابه، وخرج مسرعاً دون تفسير.
حاولت الاتصال به فلم يجب،
وكان أول خاطرٍ طرق قلبها أن تطمئن عليّ.

هنا فقط بدأ القلق يفتح بابه في صدري.

اتصلت بزوجها…
لا جواب.

اتصلت بابنٍ…
ثم بآخر…

الصمت.

وما أثقل الصمت حين يأتي في غير موضعه.
الصمت في الهاتف ليس مجرد غياب صوت،
بل هو مساحة واسعة تملؤها الظنون.

الدقائق في تلك اللحظات لا تمضي…
بل تتمدد.

ثم أخيراً…
جاء صوت.

لكن الصوت لم يحمل الطمأنينة التي كنت أنتظرها،
بل حمل جملة قصيرة،
جملة سقطت على القلب كأنها حجر:

ابنك الصغير…
في سيارة الإسعاف.
جلطة قلبية.

في تلك اللحظة شعرت أن شيئاً في داخلي توقف.

أنا الذي تجاوزت السبعين،
أنا الذي ظننت أنني تعلّمت من الأيام كيف أستقبل صدماتها،
وجدتني فجأة عاجزاً عن ترتيب فكرة واحدة.

الأب حين يسمع أن ابنه مريض
لا يبقى فيه من العمر إلا قلبه.

ابني…
ذلك الرجل الذي صار اليوم في الأربعين، زوجاً وأباً لثلاثة أبناء،
عاد في لحظةٍ واحدة طفلاً صغيراً في ذاكرتي.

رأيته يمشي خطواته الأولى.
سمعت ضحكته القديمة.
تذكرت يده الصغيرة وهي تتعلق بيدي في الطريق.

كيف يستطيع الزمن أن يعيدك في لحظة إلى كل تلك الصور؟

ومنذ تلك اللحظة…
صار للوقت طعم آخر.

الساعات ثقيلة،
والأخبار قليلة،
والقلب معلق بين الخوف والرجاء.

أمس كان تدخلاً سريعاً لينقذ ما يمكن إنقاذه،
واليوم ينتظر الأطباء تدخلاً أدق…

أما أنا فأنتظر الصباح،
كأن الصباح قد يأتي هذه المرة ومعه جواب.

ربما يغفو الجسد لحظات من شدة التعب،
لكن قلب الأب لا ينام.

كلما أغمضت عينيّ عاد السؤال نفسه:
كيف حاله الآن؟
هل هدأ قلبه؟
هل زال الخطر؟

وفي مثل هذه الساعات يدرك الأب أمراً لا يفهمه إلا الآباء:

أن أبناءه — مهما كبروا، وتزوجوا، وصار لهم أبناء —
يبقون في قلبه أولئك الصغار الذين كان يخشى عليهم نسمة الهواء.
وحين يمرض أحدهم…
لا يبقى الألم في جسده وحده،
بل يمتد خيطٌ خفيّ من قلبه إلى قلب أبيه.

كأن الأب هو الذي يضطجع على سرير المرض،
وكأن صدره هو الذي يضيق بذلك الوجع.

فالأبناء حين يتألمون
لا يتوزع الألم بينهم…
بل يتجمع كلّه في قلب الأب.

ولهذا لا يبقى له في النهاية إلا أن يرفع يديه إلى السماء،
ويقول بقلبٍ يعرف ضعفه تماماً:

يا رب…
لقد ربّيناهم صغاراً بقدر ما نستطيع،
وأنت أرحم بهم منا.

فلا تجعل قلوبنا تتعلم الصبر عليهم،
بل علّمها الطمأنينة بهم.
" فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين ".
اللهم لا شفاء إلا شفاؤك ، نسألك شفاء لا يغادر سقماً .

Add comment

Comments

There are no comments yet.