بعضي عاد… والباقي بقي هناك
✍
⸻
كان صباحاً رماديّاً حين جمعنا القليل من ثيابنا في حقيبة واحدة.
صبيان وابنة… وزوجة تنظر إليَّ بعيون تملؤها الثقة والخوف معاً.
لم نكن نودّع الوطن، بل نغادره بصمت يشبه طقطقة أبواب البيوت المهجورة.
كانت السلطة قد تحوّلت إلى سوط، والوطن إلى قفص، والهواء إلى وشاية.
سألني ابني:
“بابا… ليش ما رح نرجع بكرا؟”
لم أجب.
لكن أمّه أمسكت بيده وهمست:
“سنرجع… بس بعدين.”
مرت السنين ثقيلة… كأن كل شهر فيها عام،
تنقّلنا من بلد إلى بلد، نحمل في كل مطار أوراقنا وجوازاتنا، وأسماء أبنائنا التي بدأ يتغيّر هجاؤها بتغيّر البلاد.
كلّ منفى كبر فيه أحد أبنائي، وكل بيت سكنّاه كانت له نكهة مختلفة…
لكن لا رائحة الخبز تشبه خبزنا، ولا نكهة الشاي تشبه شاينا.
كان عام ألفين حين تغيّر كل شيء.
في الشهر الثاني، غابت شريكة عمري.
غابت بعد مرض قصير… كأنها لم تحتمل البعد أكثر، أو كأنها رأت الوطن في حلم وقررت أن تسبقه إليه.
تركتني مع ستة أولاد:
ثلاثة وُلدوا بين حارات مدينتنا القديمة،
وثلاثة جاؤوا على حافة المنافي،
لا يعرفون الوطن إلا من صور باهتة، وأحاديث أمهم.
كنت أباً وأماً، أُصلّي وأبكي وأُربّي.
أغلق الغرف في الليل، وأتفقد أنفاسهم،
وأحمل بين الحين والآخر قطعة من ذكريات زوجتي، أشمها، ثم أضعها بحرص، كي لا تبلى.
كنا نعيش، نعم، لكن بلا حياة.
نضحك أحياناً، نعم، لكن بلا روح.
نأكل ونلبس ونتعلم… لكن شيئاً فينا كان مفقوداً.
مرت الأعوام، وتغيّرت الوجوه، وسقط الطاغية.
أحسست أن شيئاً ما يُعيدنا ببطء إلى نقطة البداية.
بدأ الناس يعودون، يتحدثون عن الحرية، عن بناء جديد.
لكنني كنت متردداً.
ما جدوى العودة؟
مَن سأجد؟
البيت الذي سكناه دُمِّر، الشارع غابت معالمه وتغيّر، الجيران رحلوا،
والزوجة التي كانت تقول: “سنجلس هنا ونكبر” غابت إلى الأبد.
لكن شيئاً بداخلي كان يلحّ…
فقررت أن أعود.
سأعود وحدي…؟!
فالأبناء لهم حيواتهم، وجوازاتهم، ولغاتهم التي نسي بعضهم اللغة الأم.
أتصوّر وأتخيّل:
تهبط الطائرة، سأمرّ بنقطة التفتيش، وسيسألني الموظف:
“ما سبب زيارتك؟”
سأجيب:
“جئتُ لأرى شيئاً من حياتي.”
حينما أصل الحيّ، سأجد كل شيء مختلفاً.
الطريق أضيق، البيوت مهدّمة، والبقالة تحوّلت إلى خرابة.
لن أجد أحداً من الجيران.
لكن تلك الصخرة الجميلة أمام بيتنا، ستصمد رغم كل شيء.
هل سأجد باباً لأفتحه، ولو خشباً مكسوراً؟
هناك غرفة لم يبقَ منها إلا ظلّ الجدران.
وفي الزاوية، هناك، ربما أجد أثراً منّا…
رسمٌ قديمٌ على الحائط، بحروف كبيرة:
“ماما تحبنا.”
سأفترش الأرض،
سأبكي بصمت، لكن سأقول بصوت مسموع:
“رجعت يا أم الأولاد… رجعت، ولو بعد حين.”
أدركتُ، وأدركتِ من قبل، أن الوطن ليس بيتاً ولا شارعاً،
بل هو ما تبقّى فينا رغم الفقد.
وحين لا يعود البيت كما كان،
نحن الذين نعيد بناءه بالذكريات…
وجوه عبرت في غربتي… ولم تغادرني
لم أحتفظ بكثير من الصور،
لكنّي أحتفظ بملامح…
رجلٌ عجوز علّمني كيف أطلب بلغة لم أكن أجيدها،
كان يبتسم وهو يكتب اسمي بلغة بلده، ثم يقول لي:
“هنا وطنك الذي لم تُولد فيه… لكن لا تخف، الناس الطيّبون مثل الجبال… لا يُزيحهم الوقت.”
شابٌ جاءني ذات ليلة حاملاً طبخة وقال مبتسماً:
“اشتقنا لطعام أمّهاتنا.”
امرأة كانت تمرّ بنا، لا نعرف اسمها،
لكنها تبتسم كلما رأت أولادي…
كأنها تُطمئننا دون أن تتكلّم.
صديقٌ في أقاصي الأرض،
كان يتحدث إليّ في المسجد وكأننا نشأنا سويّة.
جارٌ لم يسألني من أين أتيت،
بل قال لي حين التقيته أول مرة:
“أنت الآن من هنا، لا تحنِ رأسك.”
كل هؤلاء…
ما عدت أراهم،
ولا أعرف مصائرهم،
لكنهم يسكنون في صدري….
وفي القلب… عودة مؤجلة
وأنا…
ما زلت أتهيّأ للسفر،
أجمع ما تبقّى مني في حقيبة،
أتدرّب على السلام،
وأحاول أن أتخيّل اللقاء.
هل ستعرفني تلك الطرقات؟
هل ستعرفني أختي حين تراني واقفاً أمام الباب؟
هل سأعرف نفسي… حين أعود؟
لا أدري…
لكني، ذات صباحٍ قادم،
قد أُطرق الباب الذي خرجتُ منه،
لا كمن يعود…
بل كمن لم يغادر.
⸻
📖 الأخت… التي كبرت وأنا غائب
✍
في الحلم تلك الليلة،
لم يحملني الطريق إلى طفولتي هذه المرة…
بل إلى طفولتها.
إلى أختٍ تركتُها وهي في العاشرة،
بضفيرتين تتمايلان كلما جرت خلفي تضحك أو تبكي،
ولم أكن أعرف أن الزمان سيجعل بيني وبينها أكثر من عمرين.
رأيتُ البيت من بعيد،
جميلاً … أنيقاً …
مدخله مزيّنٌ بشجيرات ورد لا تنتهي ألوانها،
وعريشةٌ تدلّت منها عناقيد ناضجة،
كأنما البيت تنفّس من صبرها،
وازدهر من صمتها الطويل.
فتحت لي الباب…
امرأة في منتصف العقد الخامس،
بملامح لا تزال تحتفظ بشيء من الطفلة التي تركتها هناك،
في زوايا الذاكرة.
نادتني لي باسمي، لا بلقبي، كما كانت تفعل دائماً :
“أأنت هو؟!”
ثم ضحكت كما كانت تفعل حين أنجح في الاختباء عنها طويلاً .
في عينيها سؤالان:
أين كنت؟
ولماذا تأخرت كل هذا الوقت؟
لكنها لم تسأل.
فالعناق الطويل يختصر الكلمات كلها.
دخلتُ البيت،
وما إن خطوت حتى غمرني دفء غريب،
كأنما لم أغب إلا أياماً .
في الزاوية صغار يتقافزون،
أحفادها، كما عرّفتني بهم واحداً واحداً ،
كلٌ له حكاية، وضحكة، وملامح تشبهها.
أما زوجها…
فقد كان كما وصفته مراراً في رسائلها التي لم تصل:
رجلاً يعمل بلا كلل،
بصدر رحب، وهمّة عالية،
ورغم أوجاعه التي لا تُخفى، لم أسمع منه شكوى.
جلسنا في الشرفة،
حيث تمتد العريشة وتلقي بظلها على المقاعد،
والنسيم يمرّ وكأنه يعرفنا من قبل.
قالت:
“كنتُ أزرع هذه الشجيرات على أمل أن تعود،
وأن تراك مزهرة كما تمنّيتُ دوماً …”
قلت:
“قد عدت… ولو في الحلم.”
ثم ساد صمتٌ جميل،
كأنما الحلم قرر أن يطيل مقامه هذه المرة،
أو لعله خاف أن يوقظني قبل أن أكتفي منها.
جلستُ أنظر إليها،
تتحرك بثبات،
ترعى أحفادها، وتطعمهم بيدها،
ثم تضحك إن تفرّقوا حولها كالفراشات.
فهمتُ يومها…
أن من تزرع الورد في الدروب،
لا تموت فيها الطفولة،
ولا تغيب عنها ملامح الأخوّة… وإن طال الغياب.
وقبل أن أصحو،
مدّت يدها، وربتت على كتفي،
وقالت بصوت مبلل بالعاطفة:
“لا تطِل غيابك هذه المرة… حتى لو كان في الحلم.”
ثم فتحتُ عينيّ…
فكان عبير الورد لا يزال في أنفي،
وصوتها لا يزال في قلبي.
⸻
📖 المقبرة… حيث تبدأ الحكايات وتنتهي
✍
في الحلم هذه المرة،
لم يكن الطريق نحو بيت أو حيّ أو زقاق…
بل كان نحو الصمت،
حيث لا أحد ينتظر،
ولا أحد يعاتب.
وجدتُني واقفاً على عتبة المقبرة القديمة.
نفس البوابة الحديدية التي تهالكت أطرافها،
ونفس الأشجار العالية التي كانت تخيفنا صغاراً ،
صارت اليوم تظلّلني بخشوع.
سرت بين القبور ببطء.
كلّ حجر يحمل اسماً أعرفه.
كلّ رخام تحته قلب كنتُ أحبه.
ها هنا…
نام والدي،
أما والدتي،
تلك التي رحلت وأنا بعدُ في الخامسة،
وكلّ ما بقي منها دعاءٌ حنون وصورة باهتة ، فقبرها في مكان آخر.
مررتُ بقبر
كُتب عليه باليد فقط:
“دعواتكم”،
فعرفتُ أنه قبر من لم يجد له أحدٌ شاهداً … إلا الله.
جلستُ قرب قبرٍ بدا مألوفاً،
لم أعد أميّز لمن،
فكلّ من هنا صاروا جزءًا من الحكاية.
أخرجتُ دفتري الصغير،
وقلمي الذي لا يغادرني حتى في النوم،
وبدأت أكتب
كتبت:
“أنا الذي ما زال بينكم حيّاً،
أزوركم كل ليلة في الحلم،
وأسأل: هل تسمعون حنيني إليكم؟
هل تشعرون بثقل الوحدة التي تركتموها على كتفيّ؟”
ثم وجدتني في مشهد آخر،
كأن الحلم تبدّل أو امتد،
وإذا بي جالسٌ إلى طاولة صغيرة،
والدفتر أمامي،
والفصول تتناثر كما تتناثر أوراق الخريف.
كنت أكتب كمن يلملم نفسه،
أدوّن كل ما عشته في منفى الروح،
كل باب طَرَقته،
وكلّ وجهٍ ودّعته ولم أودّ أن أفارقه.
كان الوقت يمضي سريعاً ،
كأنني أكتب قبل أن أستيقظ،
أو كأنّ الكتابة وحدها كانت تعادل العودة.
وقبل أن تنطفئ آخر شمعة في الحلم،
سمعت صوتاً في البعيد…
ربما كان صوت والدي، أو أختي، أو صديقي،
يقول لي:
“اكتب، ولا تتوقف… فربما يصلنا صوتك.”
استيقظت،
فإذا الدفتر ما زال على الطاولة،
والقلم بين أصابعي.
رأيت حلماً تعددت فصوله …
الفصل الأول: حين لا يعود البيت كما كان
كان صباحاً بارداً هادئاً .
استيقظت فيه على ضوءٍ خافتٍ يتسلّل من نافذتي التي أُسدلت ستارتها قبل أن أستسلم للنوم في ساعةٍ متأخّرة من الليل.
رغم كل ما حولي من دفء، فقد أحسست بقشعريرة غريبة، لا أعرف إن كانت من البرد… أم من الوحدة!
نهضت متثاقلاً. كان كلّ شيء صامتاً .
البيت فارغٌ إلا من ذاكرتي، وروحي التي عادت لتتفقّد زواياه… زوايا أعرفها جيداً، وأكاد أحفظ تفاصيلها رغم مرور العمر.
في الركن الأيسر من الصالة، كانت تجلس .
أجل، كانت هناك! بنفس الهيئة التي كانت تجلس بها حين أغادر صباحاً .
لكنها لم تلتفت إليّ… ولم تبتسم.
شعرت بغصّة… ناديتها، فلم تُجب.
اقتربتُ، مددتُ يدي… لكن لا أحد هناك!
كل شيء على حاله، وكأن الزمان توقف…
وكأنني دخلت بيتاً يعرفني، لكنني لا أملكه.
⸻
📖 الفصل الثاني: حفنة تراب… تكفي
كانت المقبرة هادئة كعادتها، لكنها اليوم بدت أهدأ من اللازم، حتى العصافير لم تكن تغرّد.
وقفتُ أمام القبر، بعد أن فرشتُ التراب براحتيَّ… حفنة تراب تكفي لأستعيد ما تبقّى مني هناك.
يا الله…
هنا أرقدتُها بيدي…
رفيقة عمري، أم أولادي، وصاحبة كل الحكايات التي لم أكتبها بعد.
وقفتُ، فلم يسعفني الدعاء، ولا انسكبت دمعة.
كل شيء داخلي كان صامتاً
… لا أدري أهو الرضا؟ أم الذهول؟ أم انتهاء الحكاية؟
أتعلمون ما أقسى ما في الغربة؟
أن تودّع أحبابك في أرض ٍليست أرضك، وتتركهم بين حجارةٍ غريبة، تحت سماء لا تعرفهم…
ثم تمشي وحدك، كأن شيئاً لم يكن.
لكن حفنة تراب… حفنة فقط، كانت كافية لأفهم أن شيئاً مني بقي هناك.
رأيتُ حلماً تعدّدت فصوله…
📖 الفصل الثالث: العودة إلى المدرسة القديمة
في الحلم، كنت أمشي بخطىً مترددة نحو بوابة المدرسة.
لم يكن المكان غريباً … لكنه بدا أصغر مما في ذاكرتي.
الجدران عالية، لكنها لم تعد تهابني.
الباب نفسه، لكن صريره لم يكن مخيفاً كما في الطفولة.
مددتُ يدي ودفعته بلطف،
ودخلت…
الساحة فارغة، إلا من ضوءٍ خافتٍ يتسلّل من أحد الصفوف…
اقتربت.
وقفتُ على العتبة، فرأيتني هناك!
نعم، رأيت طفلاً في زاوية الغرفة، يجلس وحيداً ، ينظر في دفتره، ولا يكتب.
لم يشأ أحد أن يكلّمه.
لكنه رفع رأسه نحوي… وبكى.
أردت أن أقترب… أن أضمّه… أن أقول له: لا بأس.
لكنني لم أستطع الحركة.
سمعت جرساً ، فانتبهت… ثم استفقت.
كان حلماً … لكنه ترك شيئاً من الصمت في قلبي، لم أستطع ترجمته، ولا طرده.
✧✧✧
الفصل الثالث:
حين افترقنا أول مرة ..
من رواية “بعضي عاد… والباقي بقي هناك”
لم يكن الوداع كما تُصوّره الروايات…
ولا كما رسمته مخاوفي في الليالي التي سبقت الرحيل.
كان صامتاً … متماسكاً … محملاً بما لا يُقال.
أودعتهم في بيت آمن…
فتّشت الأبواب أكثر من مرة،
جسست نوافذ الغرفة الصغيرة،
تفقدت أسطوانة الغاز، ومفتاح الماء،
ثم نظرت في وجه زوجتي،
فأومأت لي كمن تقول: اذهب، وسأحمل هذا البيت على قلبي.
الأبناء لم يفهموا تماماً ،
لكنهم أحسّوا أن شيئاً ليس كما ينبغي.
الابنة تعانقني طويلاً…
والصغير يسألني إن كنت سآخذ لعبته معي.
لم تكن لدي إجابة.
ولا وقت لوداع طويل.
كان الرحيل ينتظر…
وأنا أمشي إليه، لا لشيء…
إلا كي لا يبقى هذا الوداع وداعاً أخيراً .
غادرت وحدي…
وفي قلبي وجوههم الأربعة،
وصورة صغيرة تجمعنا في حضن واحد،
طويتها في قميصي .
في الغربة، لا شيء يستقبلُك.
لا شارع يعرفك،
ولا وجه يبتسم لك بلا سبب.
الليلة الأولى كانت أبرد من الغيم،
والصمتُ فيها أعلى من صدى الخوف.
أعددت الشاي ولم أشربه.
فتحت النوافذ .
كأن شيئاً يقول لي:
هنا البداية… فإياك أن تنكسر.
عملتُ كثيراً …
ونمتُ قليلاً …
وانتظرتُ أكثر.
وفي كل مكالمة معهم،
كنت أُخفي تعبي وأُظهر خططاً لم تكتمل،
وزوجتي بدورها…
كانت تخبّئ القلق خلف نبرة مطمئنة،
وتُخفي تساؤلاتها بين ضحكات الأبناء.
مرّ شهر… ثم آخر…
وفي الثاني، جاءت الموافقة.
استخرجتُ لهم الأوراق بسرعة من لا يريد للوقت أن يتنفّس.
وحين تأكد موعد قدومهم،
اشتريتُ وسادة جديدة،
وستائر ذات ألوان دافئة،
ووضعتُ لعبتهم على الرفّ… تنتظر.
في المطار…
حين لمحتهم من بعيد،
كأن شيئاً ما عاد ينبض داخلي.
ركضوا إليّ كأنّهم كانوا في حلم،
وعانقتهم واحداً واحداً …
حتى أن الصغيرة همست لي:
أنت حقيقي؟!
ضحكت… وبكيت.
في تلك الليلة، نمنا على الأرض،
في غرفة واحدة،
لكن القلب كان أخيراً كاملاً .
حينها فقط…
أدركت أنني لم أكن وحدي،
ولم أعد وحدي،
وأن بعضي الذي تركته هناك…
عاد إليّ بأعينهم.
الفصل الرابع: بيت العمة… وملاعب الطفولة
من رواية “بعضي عاد… والباقي بقي هناك”
⸻
في الحلم التالي،
لم يأخذني الطريق بعيداً،
بضع كيلومترات فقط من حيث كان بيت جدي…
لكنّ الذاكرة التي أوصلتني،
عرفت أن هذا الحيّ ليس مجرد موقع جديد…
بل فصل آخر من الطفولة، لم يُكمل قراءته أحد.
كان بيت عمّتي هناك،
وفيه قضيتُ صيفيات كثيرة،
مع أبناء العمة والعمومة،
نركض في الحارة الترابية،
نغتسل بالمطر،
ونركض حفاةً خلف الكرة القماشية التي نصنعها.
دخلتُ الحارة،
فاستقبلتني وجوه تشبه من رحلوا،
ونوافذ لا تزال معلّقةً على صبرها،
وأبواب خشبية تعرف أسماءنا جميعاً.
اقتربتُ من بيت عمّتي،
كان بابه مفتوحاً كعادته،
لكن لا صدى لصوته،
ولا لصوت عمّتي وهي توبّخنا بحنان.
نزلتُ الدرجات المعروفة،
خطوة… خطوة،
كأن قدمي تتذكّرها أكثر من رأسي.
رأيت السطح الذي كنّا ننام عليه في ليالي الصيف،
ونعدّ النجوم قبل أن نغفو،
ونسمع ضحكات عمّتي وهي تحكي أسرار الحي.
في الزاوية، كانت السنديانة العتيقة،
لا تزال تقف،
لكنها أقل أوراقاً …
كأنها كبُرت معنا،
وتقلّص ظلّها كما تقلّص عمر الذكريات.
لم أجد أبناء العمة ولا العم،
لكنني سمعت وقع أقدامهم الصغيرة على البلاط،
وصفيرهم وهم يلعبون الغمّيضة بين الأعمدة.
كل شيء كان هناك…
ولم يكن هناك أحد.
الحارة ذاتها،
والبيوت ذاتها،
لكنّ الزمن انسحب منها،
وتركها تتيبّس على هيئة ذاكرة.
استيقظتُ من الحلم،
ورائحة التراب على جلدي،
كأنني عدتُ من اللهو للتو،
وأمي… لم تكن بانتظاري،
لكنّ جارة قديمة،
رفعت يدها من فوق السور وقالت:
“كبرت يا ابن أُختي… كبرت كثيراً
.”
توطئة :
في الصداقة زمن الغربة ✦
✍️
الغربة لا تُعرّف فقط بالمسافة بينك وبين وطنك،
بل أحياناً … بما يفتقده قلبك ممن حولك.
لكنها أيضاً ، وعلى نحوٍ لا يخطر ببال،
تُهديك قلوباً ما كنت تحلم أن تراها لولا أنك غادرت.
الصداقة في الغربة ليست ترفاً ،
إنها ضرورةٌ تُشبه الماء حين يضيق الهواء،
وعصاً يتكئ عليها القلب إذا تعثّر.
ولولا الأصدقاء الذين حملوني يوم تعبت،
وشهدوا لي يوم كُذّبت،
وتواصلوا معي يوم تبعثرنا في جهات الأرض…
ما كنت لأستمر كما أنا.
هذا الفصل ليس عن الظلم فحسب،
بل عن الذين قاوموه بوفائهم،
عن الذين ما زالوا أحياءً في القلب، وإن شابتهم السنين،
وعن أولئك الذين سبقونا،
فتركوا من خلفهم مواقف لا تُنسى، وأسماءً لا تُمحى.
إليهم، أكتب…
وفيهم، أفتخر…
وبهم، أستأنس على الأيام كلما ضاقت
📖 فصل:
حين اختلطت الجراح بالمواقف
من رواية
“بعضي عاد… والباقي بقي هناك”
✍️
ما أشدّ أن تُسجن لا لأنك أذنبت،
بل لأنك وقفت على صدق الإختيار زمن الجنون…
كنا جاليةً كبيرة، جئنا من بلدٍ واحد،
لكننا تفرّقنا فيه كما لم نتفرّق من قبل،
كأن ما جئنا نداوي به غربتنا،
أصبح هو الجرح الجديد.
لم أترك بلدي فراراً من وطن،
بل فراراً من بطشٍ رأيته ينهش من حولي كل أمل .
وفي هذه البلاد التي اعتقدنا أنها أوسع صدراً من أوطاننا،
وجدت إخوة، ورفاقاً ، وقلوباً تحتفظ بملح الأرض الأم…
حتى جاء اليوم الذي قرر فيه بعضُنا أن يختار لجنةً لإدارة شؤون الجالية.
ولم تكن المشكلة في الانتخاب،
بل في النفوس التي لم تعرف بعد كيف تختلف دون أن تنهش.
اصطفت الفِرق…
كأننا في معركة لا يجمعنا فيها دمٌ ولا حلم،
وانطلقت الألسن قبل أن تُحسم الصناديق.
كنت قريباً من الفئة التي اختارها الناس،
لكنني لم أُنل من أحد ، ولم أتجاوز مودةً كانت بيني وبين الآخرين.
غير أن جنون العظمة يفعل بالناس ما لا تفعله الفاقة…
فإذا ببعضهم يتصرّفون كأنهم سُلبوا حقّاً أزلياً ،
وإذا بالكلام يتحوّل إلى أذى،
ثم إلى عنف،
ثم إلى ظلمٍ لا يشبه إلّا ما هربنا منه.
صديقي، المثقف الرقيق،
ضُرب أمام بيته حتى سقط مغشياً عليه…
ذاك الذي طالما جمع ولم يفرق وعالج بالفكر،لا بالبلطجة
لم تنفعه لا أناقته الفكرية، ولا أدبه الجم.
وصديق آخر، نُسبت إليه مخالفة مرورية لم يرتكبها،
فما لبث أن رُحّل خارج البلاد،
في هدوء الخيانة لا صخب العدالة.
ذلك الخريج الجامعي الذي حلم أن يخدم الجالية بعلمه،
أُبعد عنها كأنّه وباء…
ثم جاء دوري…
حين عجزوا عن سلب اسمي من قلوب الناس،
حاولوا أن يسلبوا حريتي من جسدي،
كتبوا فيّ جاء فيه ما لم يقل مالك في …
وألقي بي في السجن.
كانت الأشهر هناك أقسى من المعتقلات التي سمعنا عنها في الوطن…
لا لأن المكان أشدّ،
بل لأن الطعنة من قريب، من رفيق، من وجه كنت تظنّه مألوفاً .
لكن الله لا يخذل مظلوماً ،
فقد تم تفنيد الادعاءات شهادةً بعد شهادة،
وعاد اسمي نقياً كما كان،
لكنني خرجت… مختلفاً .
ذاك السجن لم يكن زنزانة جدران،
بل كشفٌ دامٍ لقلوبٍ كنت أحسبها تنبض بالصدق،
واختبارٌ لحقيقة الودّ،
فانقشعت الوجوه الزائفة،
وبقيت الوجوه النقية تزداد نقاءً.
ولئن تفرّقنا في بلادٍ متباعدة،
فإن قلوبنا ما تزال أقرب من ظلّنا إلينا،
أصدقائي الذين بقيت الحياة تسرد أسماءهم على مسامعي كل يوم،
ما زال بيننا تواصل،
بل صار بيننا نسب…
تزوّج أبناؤنا من بناتهم،
وامتزجت ذكرياتنا بلحظات أفراح جديدة،
تؤكد أن ما بيننا لم يكن مؤقتاً ولا عابراً .
وحين أعدّ الأسماء التي ما زالت حيّة في دفاتري،
أشعر أني لست وحدي،
وأن المحنة لم تُقصِنا عن بعضنا، بل قرّبتنا أكثر.
أما من سبقونا إلى دار الحق،
فما زال رحيلهم وجعاً لا تهدأ دمعته،
رجالٌ من خيرة ما أنجبت الغربة من أمل،
منهم المثقف النبيل،
ومنهم من رُحّل ظلماً ،
ومنهم الطالب المجتهد،
الذي أكمل دربه رغم العواصف،
وأضحى اليوم أخصائيّاً لامعاً في مجاله،
كأنه ردّ على ظلمهم بإنجازه لا بغضبه.
نسأل الله أن يتغمد من رحلوا برحمته،
وأن يُبقي ما بيننا وبينهم دعاءً لا ينقطع،
وذكراً لا يبهت،
ووفاءً لا يذبل.
وبين أولئك وهؤلاء،
كثيرون لهم في قلبي فضل،
وصداقةٌ طيّبة،
ووصلٌ لم ينقطع يوماً .بعضي عاد… والباقي بقي هناك
الفصل السادس
⸻
كان صباحاً رماديّاً حين جمعنا القليل من ثيابنا في حقيبة واحدة.
صبيان وابنة… وزوجة تنظر إليَّ بعيون تملؤها الثقة والخوف معاً.
لم نكن نودّع الوطن، بل نغادره بصمت يشبه طقطقة أبواب البيوت المهجورة.
كانت السلطة قد تحوّلت إلى سوط، والوطن إلى قفص، والهواء إلى وشاية.
سألني ابني:
“بابا… ليش ما رح نرجع بكرا؟”
لم أجب.
لكن أمّه أمسكت بيده وهمست:
“سنرجع… بس بعدين.”
مرت السنين ثقيلة… كأن كل شهر فيها عام،
تنقّلنا من بلد إلى بلد، نحمل في كل مطار أوراقنا وجوازاتنا، وأسماء أبنائنا التي بدأ يتغيّر هجاؤها بتغيّر البلاد.
كلّ منفى كبر فيه أحد أبنائي، وكل بيت سكنّاه كانت له نكهة مختلفة…
لكن لا رائحة الخبز تشبه خبزنا، ولا نكهة الشاي تشبه شاينا.
كان عام ألفين حين تغيّر كل شيء.
في الشهر الثاني، غابت شريكة عمري.
غابت بعد مرض قصير… كأنها لم تحتمل البعد أكثر، أو كأنها رأت الوطن في حلم وقررت أن تسبقه إليه.
تركتني مع ستة أولاد:
ثلاثة وُلدوا بين حارات مدينتنا القديمة،
وثلاثة جاؤوا على حافة المنافي،
لا يعرفون الوطن إلا من صور باهتة، وأحاديث أمهم.
كنت أباً وأماً، أُصلّي وأبكي وأُربّي.
أغلق الغرف في الليل، وأتفقد أنفاسهم،
وأحمل بين الحين والآخر قطعة من ذكريات زوجتي، أشمها، ثم أضعها بحرص، كي لا تبلى.
كنا نعيش، نعم، لكن بلا حياة.
نضحك أحياناً، نعم، لكن بلا روح.
نأكل ونلبس ونتعلم… لكن شيئاً فينا كان مفقوداً.
مرت الأعوام، وتغيّرت الوجوه، وسقط الطاغية.
أحسست أن شيئاً ما يُعيدنا ببطء إلى نقطة البداية.
بدأ الناس يعودون، يتحدثون عن الحرية، عن بناء جديد.
لكنني كنت متردداً.
ما جدوى العودة؟
مَن سأجد؟
البيت الذي سكناه دُمِّر، الشارع غابت معالمه وتغيّر، الجيران رحلوا،
والزوجة التي كانت تقول: “سنجلس هنا ونكبر” غابت إلى الأبد.
لكن شيئاً بداخلي كان يلحّ…
فقررت أن أعود.
سأعود وحدي…؟!
فالأبناء لهم حيواتهم، وجوازاتهم، ولغاتهم التي نسي بعضهم اللغة الأم.
أتصوّر وأتخيّل:
تهبط الطائرة، سأمرّ بنقطة التفتيش، وسيسألني الموظف:
“ما سبب زيارتك؟”
سأجيب:
“جئتُ لأرى شيئاً من حياتي.”
حينما أصل الحيّ، سأجد كل شيء مختلفاً.
الطريق أضيق، البيوت مهدّمة، والبقالة تحوّلت إلى خرابة.
لن أجد أحداً من الجيران.
لكن تلك الصخرة الجميلة أمام بيتنا، ستصمد رغم كل شيء.
هل سأجد باباً لأفتحه، ولو خشباً مكسوراً؟
هناك غرفة لم يبقَ منها إلا ظلّ الجدران.
وفي الزاوية، هناك، ربما أجد أثراً منّا…
رسمٌ قديمٌ على الحائط، بحروف كبيرة:
“ماما تحبنا.”
سأفترش الأرض،
سأبكي بصمت، لكن سأقول بصوت مسموع:
“رجعت يا أم الأولاد… رجعت، ولو بعد حين.”
أدركتُ، وأدركتِ من قبل، أن الوطن ليس بيتاً ولا شارعاً،
بل هو ما تبقّى فينا رغم الفقد.
وحين لا يعود البيت كما كان،
نحن الذين نعيد بناءه بالذكريات…
وجوه عبرت في غربتي… ولم تغادرني
لم أحتفظ بكثير من الصور،
لكنّي أحتفظ بملامح…
رجلٌ عجوز علّمني كيف أطلب بلغة لم أكن أجيدها،
كان يبتسم وهو يكتب اسمي بلغة بلده، ثم يقول لي:
“هنا وطنك الذي لم تُولد فيه… لكن لا تخف، الناس الطيّبون مثل الجبال… لا يُزيحهم الوقت.”
شابٌ جاءني ذات ليلة حاملاً طبخة وقال مبتسماً:
“اشتقنا لطعام أمّهاتنا.”
امرأة كانت تمرّ بنا، لا نعرف اسمها،
لكنها تبتسم كلما رأت أولادي…
كأنها تُطمئننا دون أن تتكلّم.
صديقٌ في أقاصي الأرض،
كان يتحدث إليّ في المسجد وكأننا نشأنا سويّة.
جارٌ لم يسألني من أين أتيت،
بل قال لي حين التقيته أول مرة:
“أنت الآن من هنا، لا تحنِ رأسك.”
كل هؤلاء…
ما عدت أراهم،
ولا أعرف مصائرهم،
لكنهم يسكنون في صدري….
وفي القلب… عودة مؤجلة
وأنا…
ما زلت أتهيّأ للسفر،
أجمع ما تبقّى مني في حقيبة،
أتدرّب على السلام،
وأحاول أن أتخيّل اللقاء.
هل ستعرفني تلك الطرقات؟
هل ستعرفني أختي حين تراني واقفاً أمام الباب؟
هل سأعرف نفسي… حين أعود؟
لا أدري…
لكني، ذات صباحٍ قادم،
قد أُطرق الباب الذي خرجتُ منه،
لا كمن يعود…
بل كمن لم يغادر.
⸻
📖 الفصل السابع
بيت الأخت… التي كبرت وأنا غائب
في الحلم تلك الليلة،
لم يحملني الطريق إلى طفولتي هذه المرة…
بل إلى طفولتها.
إلى أختٍ تركتُها وهي في العاشرة،
بضفيرتين تتمايلان كلما جرت خلفي تضحك أو تبكي،
ولم أكن أعرف أن الزمان سيجعل بيني وبينها أكثر من عمرين.
رأيتُ البيت من بعيد،
جميلاً … أنيقاً …
مدخله مزيّنٌ بشجيرات ورد لا تنتهي ألوانها،
وعريشةٌ تدلّت منها عناقيد ناضجة،
كأنما البيت تنفّس من صبرها،
وازدهر من صمتها الطويل.
فتحت لي الباب…
امرأة في منتصف العقد الخامس،
بملامح لا تزال تحتفظ بشيء من الطفلة التي تركتها هناك،
في زوايا الذاكرة.
قالت لي باسمي، لا بلقبي، كما كانت تفعل دائماً :
“أأنت هو؟!”
ثم ضحكت كما كانت تفعل حين أنجح في الاختباء عنها طويلاً .
في عينيها سؤالان:
أين كنت؟
ولماذا تأخرت كل هذا الوقت؟
لكنها لم تسأل.
فالعناق الطويل يختصر الكلمات كلها.
دخلتُ البيت،
وما إن خطوت حتى غمرني دفء غريب،
كأنما لم أغب إلا أياماً .
في الزاوية صغار يتقافزون،
أحفادها، كما عرّفتني بهم واحداً واحداً ،
كلٌ له حكاية، وضحكة، وملامح تشبهها.
أما زوجها…
فقد كان كما وصفته مراراً في رسائلها التي لم تصل:
رجلاً يعمل بلا كلل،
بصدر رحب، وهمّة عالية،
ورغم أوجاعه التي لا تُخفى، لم أسمع منه شكوى.
جلسنا في الشرفة،
حيث تمتد العريشة وتلقي بظلها على المقاعد،
والنسيم يمرّ وكأنه يعرفنا من قبل.
قالت:
“كنتُ أزرع هذه الشجيرات على أمل أن تعود،
وأن تراك مزهرة كما تمنّيتُ دوماً …”
قلت:
“قد عدت… ولو في الحلم.”
ثم ساد صمتٌ جميل،
كأنما الحلم قرر أن يطيل مقامه هذه المرة،
أو لعله خاف أن يوقظني قبل أن أكتفي منها.
جلستُ أنظر إليها،
تتحرك بثبات،
ترعى أحفادها، وتطعمهم بيدها،
ثم تضحك إن تفرّقوا حولها كالفراشات.
فهمتُ يومها…
أن من تزرع الورد في الدروب،
لا تموت فيها الطفولة،
ولا تغيب عنها ملامح الأخوّة… وإن طال الغياب.
وقبل أن أصحو،
مدّت يدها، وربتت على كتفي،
وقالت بصوت مبلل بالعاطفة:
“لا تطِل غيابك هذه المرة… حتى لو كان في الحلم.”
ثم فتحتُ عينيّ…
فكان عبير الورد لا يزال في أنفي،
وصوتها لا يزال في قلبي.
⸻
📖 الفصل الثامن
المقبرة… حيث تبدأ الحكايات وتنتهي
في الحلم هذه المرة،
لم يكن الطريق نحو بيت أو حيّ أو زقاق…
بل كان نحو الصمت،
حيث لا أحد ينتظر،
ولا أحد يعاتب.
وجدتُني واقفاً على عتبة المقبرة القديمة.
نفس البوابة الحديدية التي تهالكت أطرافها،
ونفس الأشجار العالية التي كانت تخيفنا صغاراً ،
صارت اليوم تظلّلني بخشوع.
سرت بين القبور ببطء.
كلّ حجر يحمل اسماً أعرفه.
كلّ رخام تحته قلب كنتُ أحبه.
ها هنا…
نام والدي،
أما والدتي،
تلك التي رحلت وأنا بعدُ في الخامسة،
وكلّ ما بقي منها دعاءٌ حنون وصورة باهتة ، فقبرها في مكان آخر.
مررتُ بقبر
كُتب عليه باليد فقط:
“دعواتكم”،
فعرفتُ أنه قبر من لم يجد له أحدٌ شاهداً … إلا الله.
جلستُ على طرف قبرٍ بدا مألوفاً،
لم أعد أميّز لمن،
فكلّ من هنا صاروا جزءًا من الحكاية.
أخرجتُ دفتري الصغير،
وقلمي الذي لا يغادرني حتى في النوم،
وبدأت أكتب
كتبت:
“أنا الذي ما زال بينكم حيّاً،
أزوركم كل ليلة في الحلم،
وأسأل: هل تسمعون حنيني إليكم؟
هل تشعرون بثقل الوحدة التي تركتموها على كتفيّ؟”
ثم وجدتني في مشهد آخر،
كأن الحلم تبدّل أو امتد،
وإذا بي جالسٌ إلى طاولة صغيرة،
والدفتر أمامي،
والفصول تتناثر كما تتناثر أوراق الخريف.
كنت أكتب كمن يلملم نفسه،
أدوّن كل ما عشته في منفى الروح،
كل باب طَرَقته،
وكلّ وجهٍ ودّعته ولم أودّ أن أفارقه.
كان الوقت يمضي سريعاً ،
كأنني أكتب قبل أن أستيقظ،
أو كأنّ الكتابة وحدها كانت تعادل العودة.
وقبل أن تنطفئ آخر شمعة في الحلم،
سمعت صوتاً في البعيد…
ربما كان صوت والدي، أو أختي، أو صديقي،
يقول لي:
“اكتب، ولا تتوقف… فربما يصلنا صوتك.”
استيقظت،
فإذا الدفتر ما زال على الطاولة،
والقلم بين أصابعي.
لكنّ الصفحة التي كنت أكتبها… كانت خالية.
الفصل التاسع
نهاية البداية
وها أنا ذا…
أقف عند تخوم النهاية،
أتأمل قلمي وقد أعياه التعب…
ليس لقلّة الحبر، بل لأن الذكرى تسبق الحروف،
وتفيض المشاهد حتى تغرق الورق.
أنا محزون…
لأن الذاكرة باتت مثقلة،
ولأن الأيام تمضي، والمكان ما زال هناك…
ينتظرني كما كنت أنتظره.
نعم، محزونٌ إذ الذاكرة مملوءة، والقلم لا يطيعني رغم أن الحبر وفير…”
“ومسرورٌ إذ باب الوطن بات مفتوحاً لأبنائه الذين تركوه قلة… وسيعودون كثرة.” …
نعم، مسرور!
لأنني أرى نوراً في آخر هذا النفق الطويل،
إذ باب الوطن فُتح،
ولأن من خرجوا سيعودون،
بذاكرةٍ لا تمحوها المنافي،
وأملٍ لا تكسره المسافات.
هذه خلاصة الإنسان الذي عاش بين نارين:
الوفاء للماضي، والرجاء في العودة.
القلب مقسوم بين الإنهاك من الحنين، والابتهاج بأن الحلم صار أقرب الى الحقيقة من أي وقت.
لكنّ الصفحة التي كنت أكتبها… كانت خالية.
⸻
Add comment
Comments
1. استحضار تفاصيل الطفولة والماضييستخدم المتكلم ذكريات الطفولة البسيطة مثل اللعب في الحارة، المطر، وصنع الألعاب اليدوية ليؤسس صورة ذاتية مرتبطة بالبراءة والبساطة.يصف مشاهد محددة من الماضي،
2. المقارنة بين الماضي والحاضر
يبرز النص التغيرات التي طرأت على المكان والناس، ويقارن بين شعور الانتماء القديم والإحساس بالغربة الحالي.هذه المقارنة تبرز هوية المتكلم كإنسان يعيش صراعاً بين جذوره القديمة وواقعه الجديد.
3. استرجاع الأصوات والوجوه
يذكر المت
كجوه الجيران، مما يعزز الإحساس بالانتماء والدفء في الماضي.في المقابل، يصف كيف تغيرت الوجوه والأماكن، ما يعكس فقدان جزء من هويته أو تشظيها.
4. التأمل في الذات والحنين
يتساءل المتكلم عن قدرته على العودة الحقيقية، ويعترف بأن الذكريات أقوى من الواقع.هذا التأمل الذاتي يرسخ هوية المتكلم كشخص يعيش بين عالمين: عالم الذكرى وعالم الحاضر.
5. استخدام ضمير المتكلم
يوظف النص ضمير "أنا" و"نحن" بكثرة، ما يمنح السرد طابعاً شخصياً ويجعل القارئ قريباً من تجربة المتكلم.
خلاصة: هوية المتكلم في النص تتشكل عبر الاسترجاع، حيث تتداخل الذكريات مع الحاضر، ويظهر الصراع بين الانتماء القديم والإحساس بالغربة، مما يمنح النص عمقاً إنسانياً وشعوراً عاماً بالحنين والبحث عن الذات.