«لو كان سهلاً ، لما كان له قيمة»

قد لا تكون الجملة في حقيقتها عن الأشياء، بل عن الإنسان.

فالإنسان نفسه لا يعرف قيمته كاملةً حين تكون حياته مستويةً بلا امتحان.
نحن نكتشف شيئاً من حقيقتنا عندما تضيق الخيارات، وتتأخر الإجابات، وتُغلق أبواب كنا نظنها ستبقى مفتوحة.

هناك أناس لم نعرف قوتهم إلا حين انكسر شيء في حياتهم.
ولم نعرف صبرهم إلا حين طال الانتظار.
ولم نعرف صفاء قلوبهم إلا حين امتلكوا القدرة على الرد، ثم اختاروا العفو.

كأن المشقة لا تأتي دائماً لتقول لنا: سأمنعك.
أحياناً تأتي لتقول: سأريك من أنت.

ثم إن في العبارة مفارقة جميلة:

نحن غالباً نطلب الأشياء سهلةً، ثم إذا جاءت سهلةً لم نعرف قيمتها.

نطلب الصحة، والرزق، والمحبة، والطمأنينة، وراحة البال… وكأننا نريدها كلها بلا ثمن.

لكن ما أكثر النعم التي لا نعرف عظمتها إلا بعد أن نفتقدها!

قد يعيش الإنسان سنوات وهو يمشي على قدميه فلا يشكر نعمة المشي، حتى يأتي يوم يتمنى فيه خطوة واحدة.

وقد يكون محاطاً بأهله، ويضيق أحياناً من أحاديثهم وكثرة طلباتهم، ثم يأتي الغياب… فيكتشف أن الضجيج الذي كان يضايقه كان في الحقيقة صوت الحياة.

وهنا يصبح للعبارة وجه آخر:

ليس كل ما اعتدناه قليل القيمة؛ بعض أعظم النعم تفقد بريقها في أعيننا لأنها لم تكن صعبة المنال.

وهذه، في رأيي، من أقسى المعاني التي تختبئ خلف الجملة.

وفي النفس شيء آخر.

أحياناً لا تكون الصعوبة في الوصول إلى الشيء، وإنما في التخلي عنه.

وقد يكون الإنسان متعلقاً بأمنية يعرف في قرارة نفسه أنها لم تعد له، ومع ذلك يعجز عن تركها.

فيظن أن صعوبة التخلي دليل على قيمة الشيء.

وليس دائماً كذلك.

أحياناً تكون الصعوبة لأن القلب تعلّق، لا لأن ما تعلّق به يستحق.

وهنا ينبغي أن نحذر من إساءة فهم الحكمة:

ليس كل ما أتعبنا يستحق أن نواصل من أجله.

فالحكمة ليست:

إذا كان صعباً فتمسّك به.

بل ربما تكون:

إذا كان ثميناً فاصبر عليه، وإذا كان باطلاً فلا تجعل صعوبة تركه دليلاً على قيمته.

وفي القلب معنى أكثر رقة.

هناك أشياء لا نستطيع الحصول عليها مهما بذلنا، لأنها ببساطة ليست لنا.

وهنا تأتي مرحلة من النضج لا يتحدث عنها الناس كثيراً :

أن تعرف متى يكون الصبر فضيلة، ومتى يكون الرضا فضيلة.

الصبر يقول:

ما زلت أستطيع أن أفعل شيئاً .

والرضا يقول:

فعلت ما أستطيع، وما بقي ليس بيدي.

وبين الجملتين تنضج النفس.

أما العقل، فيسأل سؤالاً أكثر قسوة:

هل القيمة في صعوبة الطريق، أم في الغاية التي نسعى إليها؟

وأظن أن الجواب:

في الاثنين، ولكن بنسب مختلفة.

فالغاية النبيلة تعطي الصعوبة معناها، والصعوبة تكشف مقدار صدقنا في طلب الغاية.

ولهذا قد يكون بلوغ بعض الأشياء سهلاً ، لكنه لا يجعلها عظيمة.

وقد يكون الوصول إلى أشياء أخرى شاقاً جداً ، لكنها في النهاية لا تستحق كل ذلك العمر الذي أنفقناه عليها.

فالعبرة ليست بعدد الجراح التي خرجنا بها من الطريق، بل بما استحقته الغاية من تضحياتنا.

ثم هناك معنى أخشى أن يكون الأقرب إلى الإنسان في آخر العمر:

أننا بعد أن نعبر مسافات طويلة، لا تعود القيمة كلها في ما وصلنا إليه.

بل في الذين أحببناهم ونحن في الطريق.

في يدٍ امتدت إلينا حين تعثرنا.

في كلمةٍ بقيت معنا سنوات.

في شخص لم يطلب منا شيئاً ، لكنه ظل حاضراً .

في أمٍّ أو أبٍ لم نعرف قيمة وجودهما إلا بعدما صار وجودهما ذكرى.

في وطنٍ ربما ابتعدنا عنه عقوداً ، ثم اكتشفنا أن بعض الأماكن لا تغادرنا، حتى حين نغادرها.

وفي أشخاص ظننا أننا نسيناهم، ثم يكفي موقف صغير كي نكتشف أنهم كانوا يسكنون في مكان أعمق مما ظننا.

وهنا تصبح العبارة مؤلمة وجميلة في آن:

لو كان كل شيء سهلاً ، لربما وصلنا أسرع… لكننا ربما ما كنا سنصبح الأشخاص الذين كان ينبغي أن نكونهم ونحن نصل.

ولعل أعمق ما يمكن أن تقودنا إليه الجملة هو هذا:

نحن أحياناً ننظر إلى حياتنا ونحسب ما خسرناه، وما تأخر عنا، وما لم يتحقق.

لكن ربما يكون السؤال الأجدى:

ماذا صنعت بي كل تلك الأشياء؟

ماذا صنعت بي السنوات؟

ماذا صنع بي الفقد؟

ماذا صنع بي الانتظار؟

ماذا صنعت بي الأخطاء؟

ماذا صنعت بي الأبواب التي لم تُفتح؟

فربما لم تكن الحياة تعلّمنا كيف نحصل على كل ما نريد، بل كانت تعلّمنا كيف نصير قادرين على حمل ما نحصل عليه، وكيف نعيش بسلام مع ما لم نحصل عليه.

وهنا،أظن أن الجملة الصغيرة تبلغ مداها:

لو كان سهلاً ، لما كان له قيمة.
ولو كان كل شيء متاحاً ، لما عرفنا معنى الاختيار.
ولو لم نفقد شيئاً ، لما عرفنا قيمة ما بقي.
ولو لم نتعب في الطريق، لما عرفنا أنفسنا ونحن نمشي.

ثم أسكت قليلاً …

لأن بعض المعاني، حين تصل إلى القلب، لا ينبغي أن نكمل شرحها.

فربما كان أجمل ما في هذه الجملة القصيرة أنها تترك لنا مساحةً نضع فيها أشياءنا التي لم نقلها لأحد.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador