حين يستعيد الإنسان معناه .

تمرّ بالإنسان لحظاتٌ يشعر فيها وكأنه فقد معناه، وأن ما يدور حوله يمضي بوتيرةٍ لا تعنيه، فيخال نفسه قليل الأثر، أو عديم الفائدة. لكن الحقيقة أن الذي يتوقف في تلك اللحظات ليس الحياة، بل شعور الإنسان برسالته، حتى ليبدو له أن نفسه قد وقفت عن المسير.

وننسى أن المعرفة لا تُولد مع الإنسان، وإنما تُكتسب بالعلم، وتُنمى بالقراءة، وتترسخ بالتجربة، وتثمر بالعمل. لذلك نكتب ونقرأ؛ لنفيد ونستفيد، فكل كلمة صادقة تحمل في طياتها رحلةً طويلةً من البحث والتأمل والخبرة.

فربما قرأتَ سطراً كتبه صاحبه بعد أن قرأ عشرات الكتب، أو أمضى ساعات، بل أياماً وليالي بين جدران مختبر، أو اختصر في كلمات معدودة حصيلة عقودٍ من التجربة في ميدانه. وما أجمل أن تنتقل تلك الخبرات بين الناس في كلمات يسيرة، فتختصر على غيرهم الطريق، وتفتح لهم أبواباً لم يكونوا ليبلغوها وحدهم.

ومع ذلك، تبقى المعرفة النظرية وحدها غير كافية؛ فالعلم إذا لم يتحول إلى عمل، بقي أثره ناقصاً . وإنما يكتمل نفع الإنسان حين يجمع بين صدق الفكرة، وحسن التطبيق، كلٌّ بحسب استطاعته وما يسّره الله له.

ولا ينبغي لأحدٍ أن يستصغر أثره؛ فرب كلمة طيبة أيقظت قلباً ، أو بثّت أملاً، أو غيّرت مسار حياة.
فلنكتب ما ينفع، ولنقرأ ما يرفع، ولنعمل بما نعلم؛ فبهذا تستعيد الحياة معناها، ويكتشف الإنسان أن وجوده لم يكن يوماً بلا فائدة، وإنما كان ينتظر أن يوقظ في نفسه رسالة العطاء.
وما دام القلب ينبض، والعقل يتعلّم، واللسان ينطق بخير، فلا يحق لأحدٍ أن يظن أن وجوده بلا أثر. فرب كلمةٍ خرجت بإخلاص، تجاوزت عمر قائلها، وبقيت تهدي العقول، وتواسي القلوب، وتُكتب له أجراً ما بقي نفعها بين الناس.

Add comment

Comments

There are no comments yet.