هناك أشخاص…
لا يُقاس حضورهم بالمسافة، ولا يُحدّد غيابهم بالسنين.
سكنوا القلب قبل أن تراهم العين، وعاشوا في الروح طويلاً قبل أن تجمعني بهم طرق الأرض.

عبرتُ البحار إليهم متأخراً، أجرّ خلفي عمراً أنهكته الانتظارات، وأحمل في صدري شوقاً هرِماً مثلي.
كنت أعلم أن اللقاء سيكلّفني الكثير، لكنني لم أكن أدري أنه سيأخذ ما تبقّى مني كلّه.
رأيتهم…
وحين رأيتهم، أدركت أن بعض الوجوه خُلقت لتكون وطناً، لا محطة عابرة.

كانوا مدهشين إلى حدّ الألم.
كانت ضحكاتهم تُعيد ترتيب قلبي ثم تعيده مكسوراً،
وكانت تفاصيلهم الصغيرة ـ نبرة الصوت، حركة اليد، نظرة العين ـ
كفيلة بأن تجعل الغياب بعدها جريمة لا تُغتفر.

وحين حان وقت الرحيل، لم أودّعهم…
كنت أودّع نفسي التي كنتُها قبلهم.
عدتُ إلى ما وراء البحار بجسدٍ واحد،
لكن قلبي بقي هناك، على الأرصفة، في البيوت، بين الأسماء التي نطقتها متأخراً.

قلتُ: ليتني لم أسافر.
ليس لأن اللقاء لم يكن جميلاً، بل لأنه كان أكبر من قدرتي على الاحتمال.
فالحنين قبلهم كان وعداً مؤجَّلاً،
أما بعدهم فصار عبئاً يومياً،
يوقظني في الصباح،
ويرافقني في صمتي،
ويذكّرني كل مساء أن بعض الأشياء حين تأتي متأخرة…
تأتي كاملة، جارحة، ولا ترحل أبداً.

الشيخوخة لم تسرق شبابي فقط،
بل سرقت حقّي في لقاءٍ يمكن احتماله،
وتركتني أعيش ما تبقّى من العمر
أقيس المسافات لا بالبحار،
بل بمدى قدرتي على احتمال الشوق…
وقد تجاوز حدوده منذ ذلك اللقاء.

Add comment

Comments

There are no comments yet.