برُّ الوالدين… وفاءٌ لا ينقطع، وعقوقٌ لا يُستهان به

Published on 18 October 2026 at 11:17 pm

برُّ الوالدين… وفاءٌ لا ينقطع، وعقوقٌ لا يُستهان به

روى عبد الله بن دينار أنه رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في طريق مكة، فسلّم عليه رجلٌ من الأعراب، فأعطاه ابن عمر حماره الذي كان يركبه، وعمامته التي كانت على رأسه. فلما سأله ابن دينار عن سبب ذلك، أخبره أن أبا هذا الرجل كان صديقاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ». رواه مسلم.

إنه درسٌ بليغ في الوفاء؛ فقد امتدّ برُّ ابن عمر إلى صديق أبيه بعد وفاته، وفاءً لأبيه وحفظاً لودّه. وإذا كان الإحسان إلى أهل مودّة الوالدين من أبرّ البرّ، فكيف يكون حقّ الوالدين نفسيهما، وهما اللذان بذلا من العمر والجهد والرحمة ما لا تفي الكلمات ببيانه؟

إن حاجة الأبناء إلى والديهم لا تنتهي بانتهاء مرحلة الطفولة، ولا تزول ببلوغ سنّ الرشد أو الاستقلال في شؤون الحياة. فمهما كبر الأبناء، واتّسعت تجاربهم، واشتدّ عودهم، ظلّ في نفوسهم موضعٌ لحكمة الوالدين، وصدق نصحهما، ودفء مودّتهما، وطمأنينة القرب منهما. قد يستقلّ الابن بقراراته، ويتحمّل مسؤولياته، ويشقّ طريقه بنفسه، لكنه لا يستغني بذلك عن قلبٍ يفرح لفرحه، ويحمل همّه، ولا عن دعاء أمّه، أو نصيحة أبيه، أو الأمان الذي يجده في وجودهما.

وللوالدين في حياة أبنائهما بركةٌ وخيرٌ قد لا يدركان مدى أثرهما إلا بعد الفقد؛ فوجودهما نعمة تستحقّ الشكر، وبرّهما صلةٌ تحفظ المودّة، وتزيد الحياة دفئاً ومعنى. وليس المقصود أن نجاح الأبناء أو خيرهم متوقّفٌ على بقاء الوالدين، وإنما أن وجودهما نعمةٌ لا ينبغي أن تُؤخذ أمراً مسلّماً به، وأن العلاقة بهما لا تنتهي بانتهاء الاعتماد عليهما، بل تتغيّر صورتها مع العمر، ويبقى أصلها قائماً على الرحمة والوفاء.

ومن هنا تتجلّى عظمة البرّ، ولا سيما حين يتقدّم الوالدان في السنّ، وتزداد حاجتهما إلى الرعاية والصبر وحسن المعاملة. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عِظَم هذه الفرصة، وشدّة الخسارة في تضييعها، فقال: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ». قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ». رواه مسلم.

فأيُّ خسارةٍ أعظم من أن تُفتح للإنسان أبوابٌ من الخير، وتُتاح له فرصةٌ عظيمة للبرّ، ثم يضيّعها بالتقصير والإهمال؟! إن وجود الوالدين فرصةٌ لا تدوم، والأيام التي نستطيع أن نُدخل فيها السرور إلى قلبيهما قد لا تعود؛ ولذلك كان البرّ بهما من أجلّ القربات، وكان التفريط في حقّهما خسارةً ينبغي أن توقظ الضمير قبل فوات الأوان.

والبرّ ليس كلماتٍ طيّبة تُقال، ولا مشاعرَ تُدّعى، بل هو إحسانٌ يظهر في المواقف، ورحمةٌ تتجلّى في المعاملة، وصبرٌ عند الضعف، ورفقٌ عند الحاجة، وحرصٌ على ألا يشعر الوالدان بأنهما أصبحا عبئاً على أبنائهما. وهو كذلك دعاءٌ صادق، وصدقةٌ عنهما بعد وفاتهما، وسائر وجوه الخير المشروعة التي ينتفعان بها بإذن الله.

وإذا كان البرّ وفاءً للجميل، فإن العقوق جحودٌ لحقٍّ عظيم، وخللٌ في ميزان الرحمة والوفاء. وليس العقوق مجرّد خلافٍ عابر بين الآباء والأبناء، بل هو إساءةٌ وتضييعٌ لحقّ الوالدين، وقد يبلغ من الإثم مبلغاً عظيماً حين يقترن بالإهانة أو القطيعة أو الإهمال المتعمّد. وقد أكّد الله تعالى حقّهما في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].

فكيف يطيب للإنسان أن يقابل سنوات الرعاية بالجفاء، والتضحية بالإهمال، والرحمة بالإساءة؟! وكيف ينسى ما بذله والداه في سبيل نشأته، ثم يضيق بهما حين يحتاجان إلى شيءٍ من الصبر والاهتمام؟ إن العقوق انتكاسٌ في الفطرة، وإهدارٌ لمعنى الوفاء، وجحودٌ لنعمةٍ لا يعرف قدرها حقّ المعرفة إلا مَن تأمّل ما بذله الوالدان من أجله.

ولا يقف أثر العقوق عند حدود الأسرة؛ فمَن يستهين بحقوق أقرب الناس إليه، ولا يبالي بما يلحقه بهما من أذى، يسيء إلى أصلٍ عظيم من أصول الأخلاق. وإذا اقترن ذلك بالكذب والخيانة ونقض العهود، ضعفت الثقة بصاحبه، وأصبح الحذر في معاملته أمراً مفهوماً. وليس من العدل أن نحكم على كلّ عاقٍّ بالفساد في جميع شؤون حياته، لكن من الواجب ألّا نهوّن من العقوق، أو نغفل عن خطورته على الفرد والأسرة والمجتمع.

ومع شدّة التحذير من العقوق، يبقى باب التوبة والإصلاح مفتوحاً؛ فليس المقصود من الموعظة أن نيأس المخطئ من رحمة الله، بل أن نوقظ ضميره، وندعوه إلى مراجعة نفسه، وردّ الحقوق إلى أهلها، وإصلاح ما أفسده من علاقته بوالديه. فخيرُ الخطّائين مَن رجع عن خطئه، وبادر إلى التوبة والإحسان قبل أن يفوته الأوان.

فيا مَن قصّر في حقّ والديه، أو شغلته الحياة عنهما، أو حالت بينه وبينهما خصومةٌ طال أمدها: لا تجعل الخلاف ذريعةً إلى القطيعة، ولا تجعل الكِبر حاجزاً بينك وبين الاعتذار. بادر إلى الكلمة الطيّبة، والزيارة، والسؤال، والإحسان؛ فما دامت الفرصة قائمة، فباب البرّ لم يُغلق بعد. وقد يأتي يومٌ تبحث فيه عن صوتٍ ألفته، أو وجهٍ اعتدت رؤيته، فلا تجد إلا الذكرى والدعاء، فتتمنّى لو زدت في البرّ، وأطلت الجلوس، وأكثرت من الإحسان.

إن برّ الوالدين وفاءٌ لا ينقطع، وعبادةٌ يتقرّب بها العبد إلى ربّه، ونعمةٌ ينبغي أن نصونها ما استطعنا؛ أما العقوق فخسارةٌ في الدين والخلق، وتفريطٌ في حقٍّ عظيم لا يعوّضه الندم بعد فوات الفرصة.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من البارّين بوالدينا، المحسنين إليهما في حياتهما وبعد وفاتهما. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربّونا صغاراً، واجزهم عنّا خير الجزاء. اللهم مَن كان منهم حيّاً فألبسه ثوب الصحة والعافية، وأعنّا على برّه والإحسان إليه، ومَن كان منهم قد انتقل إلى رحمتك فأنزل عليه شآبيب رحمتك ومغفرتك، واجعل ما قدّمه لنا من خيرٍ في ميزان حسناته.

اللهم اجعلنا من أهل البرّ والوفاء، ولا تجعلنا من أهل العقوق والجفاء، واجمعنا بوالدينا في جنات النعيم، إنك سميعٌ مجيب.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador