نفحات من خواتيم سورة هود
قال الله تعالى:
> { وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) ... وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [هود: 111 - 123]
>
حين يخاطب القرآنُ الكريمُ الروحَ، تسري في أرجائها أنوار الهداية، وتُطلّ خواتيم سورة هود على النفس إطلالةَ النور في غياهب الظلاست؛ فتأخذ بمجامع القلوب لما حوته من تسليةٍ لقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وترسيخٍ لسنن الله في الخلق، ورسمٍ لعلامات الثبات على الحق. إنها آياتٌ تنزّلت في أشدّ ساعات الدعوة غربةً وقسوة، فكانت للقلب المكلوم بلسماً شافياً، وللروح المجهَدة حِصناً حصيناً، حتى كانت هي وأخواتها ممّا أشاب رأس النبي الكريم؛ لما فيها من جلال المسؤولية وعظمة الخطاب.
إن السالك في رحاب هذه الخواتيم يُبصرُ كيف تنكشف أمام عينيه حقائق الوجود؛ فالله جل وعلا يُعلم عباده أنه المحيط بغيب السماوات والأرض، لا تعزب عنه خافية من سرائر الخلائق، وأن أزمّة الأمور ومصائر الخلق أجمعين ترجع إليه وحده، فهو الحاكم العدل.
ومن رحم هذه الحقيقة الشاملة، ينبثق المنهج الرباني الأصيل: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}؛ إنها الدعوة إلى إفراد الجوارح بالطاعة والعبودية، وإخلاص القلوب بالتسليم والتفويض، ليغدو التوكل والسعي جناحين يطير بهما العبد فوق كدر الحياة وجفاء المعاندين.
وإن في الإيمان بمرجع الأمر كلّه إلى الله لصناعةً عجيبة للثبات؛ فعندما يستقر في يقين العبد أن سطوة الجبابرة وطغيان الماكرين إنما هي زبدٌ رابٍ متلاشٍ أمام قدرة القاهر المقتدر، تهون في عينه الشدائد، وينعم قلبه برضا عظيم، متحرراً من مرارة الاستعجال، وموقناً بأن العدل الإلهي آتٍ لا محالة.
ثم تتنزّل الخاتمة كصيحة تحذير تُزلزل عروش الظالمين، ونسيمِ روحٍ يُنعش أفئدة الصابرين: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}؛ فليس في هذا الكون جهدٌ يضيع، ولا مظلمةٌ تُنسى، ولا زفرةُ ألمٍ تسقط في طيات النسيان، بل كل صغيرة وكبيرة مستطرة في كتابٍ لا يضلّ ربي ولا ينسى.
وهكذا تجتمع هذه الخواتيم المباركة لتكون ملاذ الروح، ومستقر الطمأنينة لكل صاحب رسالة، ومبتلى، ومظلوم... تُضيء له غياهب الدرب، وتشدّ على عَضُده، مذكرةً إياه بأن الوجهة إلى الله وحده، وأن العاقبة للتقوى، وأن من اعتصم بالقوي العزيز لم يضلّ ولم يشقَ.
Add comment
Comments