عقوق وقطع رحم

Published on 16 October 2026 at 10:30 am

عقوق وقطع رحم ..

عقوق الوالدين.. انتكاسٌ في الفطرة، وضياعٌ للأمان، فهل يأمنُ عاقلٌ مَن خانَ أصلَ وجودِه؟!
إن أصحاب العقوق للآباء والأمهات هم أشد الناس فساداً في الخُلق والمسلك؛ فلا تليق بمسلمٍ صحبتُهم، ولا يُصدَقُ لهم عهدٌ ولا وعد، ولا يصحّ الاعتماد عليهم في بيعٍ، ولا شراء، ولا دينٍ، ولا إيفاءٍ بالتزام. فمَن خفر عهدَ والديه وضيع حقهما، كيف يفي بعهد الغرباء؟!
إن خطر العقوق يكمن في أنه جحودٌ لأعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قطع العاقّ أصل الرابطة الإنسانية التي قامت على الرحمة والوفاء لأعظم اثنين في حياته: الأب والأم. ولهذا حذّر العلماء قديماً وحديثاً من مخالطة هذه الفئة، حيث قال أحد العلماء: «لا تثقن بصداقة عاق..»، فهؤلاء قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، لذلك لا يوثق بهم في تعامل، ولا في صحبة، ولا في جوار.
إن العاقّ يخسر الدنيا والآخرة، ويجلب لنفسه عقوبةً معجّلة في حياته قبل مماته؛ فالبرّ بابٌ مفتوحٌ يُعجّل بالخير والجنة، والعقوق بابٌ معجل إلى الخسران.
ومِن رحم العقوق تتولّد قطيعة الرحم! فشؤمها في الدنيا، ولعنتها في الآخرة، وهي جرمٌ عظيم يقطع صاحبه عن رحمة الله. إن قطيعة الرحم ليست مجرد جفاءٍ عابر، بل هي نوعٌ خطير من أنواع الفساد الأخلاقي والاجتماعي الذي يُمزق نسيج الأسر والمجتمعات. وقد توعد الله جل وعلا القاطعين بأشد العقاب في كتابه الكريم فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}.
ومن شؤم قطيعة الرحم أن الله تعالى يعاقب صاحبها بسلب نور الحق من قلبه؛ فيغدو أصمّ لا يستمع إلى موعظة، وأعمى لا يبصر آيات الله العظيمة المنتشرة في الآفاق وفي نفسه، ولا ينتفع بما أنزل الله من هدى ونور.
وانظر إلى عظمة هذا العهد بين الله وبين الرحم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}».
إن أصحاب عقوق الوالدين وقاطعي الأرحام شريكان في الفساد والخلق الرديء، وكلاهما قد تعرّض لمقت الله وعقابه، وسوء الدار في الدنيا والآخرة.
فيا مَن أثقلته نداءات الرحم، ويا من أبطأ في برّ والديه.. أدرك نفسك قبل أن يُغلق الباب وتُستوجب العقوبة!
نسأل الله العفو والعافية، اللهم اجعلنا من البارّين الموصولين برحمتك وفضلك، وارحم آباءنا وأمهاتنا كما ربونا صغاراً.

Add comment

Comments

There are no comments yet.