قلب لا بعرفه أحد

Published on 28 September 2026 at 5:49 pm

قلبٌ لا يعرفه أحد

ثَمّةَ قلوبٌ تعبر الحياةَ بيننا في هدوء، فلا تستوقف أحداً، ولا ترفع صوتها بالشكوى، ولا تمدّ يدها بالسؤال.

نراها، ولا نعرفها.

نرى وجوهاً تبتسم، ولا نرى ما وراء الابتسامة. نسمع كلماتٍ عابرة، ولا نسمع الصمتَ الطويل الذي يسبقها أو يعقبها. وقد نجالس إنساناً ساعات، ثم نفارقه ونحن لا نعلم أن في أعماقه قصةً لم يجد لها مستمعاً، أو حزناً آثر أن يحمله وحده، أو حاجةً منعته كرامته من أن يبوح بها.

وما أكثرَ ما يخطئ الناس حين يحكمون على القلوب من وجوهها!

فليس كلُّ ساكتٍ بخير، ولا كلُّ مبتسمٍ سعيداً، ولا كلُّ من قال: «أنا بخير» كان يعني أنه بخير.

بعض الناس لا يحتاجون منك مالاً، ولا معروفاً عظيماً؛ يحتاجون فقط إلى أن يشعروا أن أحداً قد رآهم حقاً.

أن تقول لإنسانٍ متعب: «كيف حالك؟» ثم تنتظر جوابَه حقاً.

أن ترى في عينَي فقيرٍ ما لم يقله لسانه، فلا تحرجه بالسؤال.

أن ترفق بمن أخطأ، لأنك لا تعرف كم مرةً أخطأته الحياة قبل أن يخطئك.

أن تستر عيباً رأيته، وتغضّ الطرف عن زلّةٍ كان يمكن أن تجعلها حديثاً للمجالس.

أن تمنح قلباً مكسوراً كلمةً طيبة، ثم تمضي دون أن تنتظر شكراً.

فقد تكون الكلمة عندك عابرة، وتكون عند غيرك نجاة.

وقد يكون الشيء الذي استغنيتَ عنه في بيتك، هو الشيء الذي كان إنسانٌ آخر ينتظر أن يأتيه به أحد.

وقد ترى ثوباً قديماً لا تحتاج إليه، بينما يراه بردانُ الشتاء نعمةً لا تُقدَّر.

وقد يكون ما تراه قليلاً، كثيراً عند من لم يجد كثيراً.

ولذلك، لا تستهِنْ بصغير المعروف.

فإن القلوب لا تُجبر دائماً بالأشياء الكبيرة؛ كثيراً ما يجبرها لطفٌ صغير جاء في وقته، ورحمةٌ صادفت موضع الألم، وكلمةٌ قالت للوحيد: لستَ وحدك.

ولعلّ من أجمل ما يمكن أن يفعله المرء في هذه الحياة أن يكون مأمناً للقلوب.

لا تزيد قلباً مكسوراً انكساراً، ولا تسخر من ضعفٍ لا تعرف أسبابه، ولا تجعل من عثرة إنسانٍ مناسبةً لإظهار تفوقك عليه.

فأنت لا تعلم ما الذي يخفيه الناس عنك، كما أنهم لا يعلمون ما تخفيه أنت عنهم.

ولكلّ إنسانٍ موضعُ ضعفٍ لا يراه الناس.

ولهذا كان الرفق أجمل من الانتصار، والعفو أكرم من التشفي، والستر أنبل من الفضيحة، والكلمة الطيبة أوسع أثراً مما نظن.

وربما كان أعظم ما نتعلمه من العمر أن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يحلّ مشكلته؛ أحياناً يحتاج إلى من يجلس بقربه، ويقول له، دون موعظةٍ طويلة:

«أفهم أنك متعب… وأنا هنا.»

فلا تمرّ على الناس مروراً عابراً.

اترك في الطريق شيئاً من الرحمة.

سلّم على من لا يلتفت إليه أحد، وابتسم لمن أثقلته الأيام، وأكرم من لا يستطيع ردّ الإكرام، وأحسن إلى من لا يملك لك جزاءً.

وافعل الخير، ثم انسَه.

فربما نسيتَ أنت ما فعلت، وبقي أثره في قلب إنسانٍ إلى آخر عمره.

وربما لم تعرف أبداً أن كلمةً قلتها ذات يوم، في لحظةٍ عابرة، كانت سبباً في أن يواصل إنسانٌ طريقه حين كاد يتوقف.

وهنا سرٌّ جميل في الحياة:

لسنا مطالبين أن نعرف كل القلوب حتى نرحمها.

يكفي أن نعرف أنها قلوب.

تفرح كما نفرح، وتحزن كما نحزن، وتنكسر كما ننكسر.

وأن وراء كل وجهٍ قصةً لا نعرفها، وفي كل صدرٍ معركةً لا نراها، وفي كل إنسانٍ حاجةً إلى الرحمة، وإن بدا لك مستغنياً عنها.

فكن رحيماً ما استطعت.

فإن لم تستطع أن تحمل عن إنسانٍ وجعه، فلا تكن وجعاً فوق وجعه.

وإن لم تستطع أن تفتح له باباً، فلا تغلق في وجهه نافذةً.

وإن لم تستطع أن تمنحه شيئاً، فامنحه كلمةً طيبة.

فلعلّك لا تعرف القلب الذي ستصل إليه…
لكنَّ اللهَ يعلمُه، ويعلمُ ما خفي من أمره، وما عجز لسانُه عن البوح به.

ويكفيك أن تزرع الخير حيث استطعت، ثم تتركه لله.

فما من معروفٍ يضيع عند الله،
ولا من دمعةٍ خفيت عنه،
ولا من قلبٍ جُبر في ساعةٍ لم يكن يعلم بها أحد.

اللهم اجعلنا ممن إذا مرّوا بالقلوب تركوا فيها نوراً، وإذا مرّوا بالمنكسرين كانوا لهم جبراً، وإذا مرّوا بالمحتاجين كانوا رحمةً لا منّة.

واجعل لنا في هذه الحياة أثراً جميلاً لا نراه بأعيننا، ولكن تراه القلوب التي مررنا بها ذات يوم.

فكم من قلبٍ لا يعرفه أحد…
وكان كلُّ ما يحتاج إليه أن يشعر أن أحداً قد شعر به.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador