حديث أثمن من الذهب والفضة

Published on 27 September 2026 at 1:46 pm

عن الشَّدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
> «يَا شَدَّادُ بْنَ أَوْسٍ! إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدْ كَنَزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ؛ فَاكْنِزْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ:
> اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وأسألك شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ؛ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ».
>
أولاً: تخريج الحديث ودرجته:
أخرج هذا الحديث العظيم جمعٌ من أئمة الحديث وأصحاب السنن والمسانيد، ومن أبرز مَن رواه:
* الإمام أحمد في مسنده (رقم: 17114).
* الإمام الطبراني في المعجم الكبير والمعجم الأوسط ودعائه.
* الإمام ابن حبان في صحيحه (رقم: 935).
* الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء.
* الإمام الترمذي بلفظ قريب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
* درجة الحديث: حديث حسن بشواهده وطرقه، وحسّنه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، والعلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم: 3228).
ثانياً: الشرح والبيان:
يقدم النبي ﷺ في هذا الحديث بلسماً إيمانياً ومنهجاً تربوياً يوزن بمقاليد السعادة؛ إذ يربط بين التزهيد في الزخرف الفاني والترغيب في الذكر والباقي الصالح.
* المقارنة الصريحة: الكنز الفاني مقابل الكنز الباقي:
* «إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدْ كَنَزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ...»: تنبيهٌ شريفٌ إلى فتنة المال والهرولة وراء جمع الحطام الزائل.
* «فَاكْنِزْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ»: إشارة لطيفة إلى أن الكنز الحقيقي ليس ما تُغلق عليه الخزائن، بل ما يقرّ في الصدر ويلهج به اللسان من دعاء ومناجاة تنفعك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
* تفصيل فقرات الدعاء ومعانيه:
* «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ»: الثبات على الدين والاشتغال بالطاعة وسط تقلب الأحوال وفتن الشبهات والشهوات.
* «وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ»: الإرادة الجازمة والجدّ في سلوك طريق الفلاح والصواب دون تردد أو كسالة.
* «وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ»: الأعمال والأسباب والخصال التي تقرب العبد من رحمة الله وتوجبها له.
* «وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ»: الطاعات الجليلة والمسارعة التي تتأكد بها المغفرة من العلي القدير.
* «وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ»: التوفيق للاعتراف بالنعم ظاهراً وباطناً واستعمالها في مرضاته لا في معصيته.
* «وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ»: الإخلاص والمتابعة للرسول ﷺ؛ بأن تكون العبادة قائمة على كمال الخشوع والقبول.
* «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا»: القلب الخالي من الشرك والغل والغش والحسد، والجامع للإيمان واليقين.
* «وَلِسَانًا صَادِقًا»: اللسان المنزه عن الكذب والغيبة، والملازم للحق والذكر.
* «وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ»: طلب لكل خير أحاط به علم الله تعالى وإن خفي على العبد.
* «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ»: استعاذة جامعة من كل سوء وشر أحاط به علمه سبحانه.
* «وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ؛ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ»: اعتراف بالتقصير في الحقوق والتوبة حتى عن الذنوب التي نسيها العبد ولم تخفَ على علم الله.
* ثمرة الدعاء والتطبيق العملي:
هذا الحديث دستور لكل مسلم في أوقات الغفلة؛ فبينما ينشغل أغلب الخلق بالتنافس على تحصيل الأموال والرفاهية المادية، يُسن للمؤمن أن يستحضر هذه الجواهر الجامعة ويرددها بقلب حاضر ليكون من أصحاب الكنوز الحقيقية التي تبقى حجةً وشرفاً له في الدنيا والآخرة.

Add comment

Comments

There are no comments yet.