يا بُنيَّ…
الزمِ القرآنَ ولا تهجره؛ فإن لأهله يوماً تُرفع فيه المقامات، ويُنادَون فيه بنداء الكرامة: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا. هناك يكون التكريم الحقّ، لا تصفيق فيه ولا أضواء، بل نورٌ يسري في الوجوه بقدر ما سكن القرآنُ في الصدور. فإيّاك أن تقف يومئذٍ متعثّر اللسان في آيةٍ كانت بالأمس زادك، ثم ضيّعتها بين شواغل الأيام.
يا بُنيَّ…
خالط الناس على قدر مراتبهم:
جالس العلماء بعقلك لتزداد بصيرة،
وجالس الأمراء بعلمك ليكون الحقّ عندك كلمةً لا تخشى سلطاناً،
وجالس الأصدقاء بأدبك فيصفو الودّ وتدوم الألفة،
وجالس أهل بيتك بعطفك فهم أولى الناس بحسنك،
وجالس السفهاء بحلمك؛ فالحلم تاج الأخلاق، وبه تُطفأ نيران الجهل.
واجعل لك خلوةً لا يطّلع عليها أحد؛
تكون فيها جليسَ ربك بذكرك،
وتكون فيها جليسَ نفسك بنصحك؛
فإن النفس إن لم تُؤدَّب أفسدت، وإن لم تُناصح أضلّت.
يا بُنيَّ…
لا تحزن على طيبتك إن قصّر الناس في قدرها؛
فما كان لله لا يضيع، وإن غاب تقديره في الأرض فإن في السماء من يباركه ويجزي عليه.
واعلم أن الأشياء إذا قُسمت نقصت،
إلا السعادة؛ فإنها إذا تقاسمها الناس اتّسعت، وإذا بُذلت تضاعفت.
واعلم أن السكن في الدنيا يحتاج إلى فكرٍ وتدبير،
أما السكن في الجنة فيحتاج إلى ذكرٍ وتطهير؛
غير أن كثيراً من الناس شغلهم الفكر عن الذكر، فعمروا الدور وتركوا الصدور.
فإن مرّت عليك ساعةٌ خلا فيها لسانك من ذكر الله،
فأيقظ قلبك بتسبيحةٍ أو استغفار؛
فالغفلة داء، وذكر الله دواء.
فإذا طَهُر القلبُ رَقَّ،
وإذا رقَّ راقَ،
وإذا راق ذاقَ،
وإذا ذاق فاقَ،
وإذا فاق اشتاقَ،
وإذا اشتاق اجتهدَ،
وإذا اجتهد هبّت عليه نسائمُ الجنّة وهو بعدُ في طريقها.
فاللهم ارزقنا قلوباً تذكرك، ونفوساً تشتاق إليك،
وأسعدنا بسعادة الدنيا والآخرة. ✨
Add comment
Comments