◇ بعض القلوب تريد أن تفهم كل شيء قبل أن تُسلِّم، بينما حقيقة الإيمان أن تُسلِّم لله أولاً ، ثم ترى من حكمته ولطفه ما يملأ قلبك يقيناً ورضاً .
كم من إنسان يُرهق نفسه بمقاومة الأقدار، ويُطيل الوقوف عند أبواب القلق والاعتراض، وكأن الحزن يردُّ قضاءً، أو التوتر يُعجِّل فرجاً ، أو كثرة التفكير تُغيِّر ما كتبه الله.
غير أن أعظم دروس الإيمان تعلمنا أن الفرج يبدأ من حيث يبدأ التسليم.
وتتجلى هذه الحقيقة في قصة أسرة مباركة اصطفاها الله لتكون مدرسة خالدة في الثقة به والرضا بقضائه.
فعندما ترك إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر ورضيعها إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا أنيس، لم تُكثر هاجر من الأسئلة، ولم تستسلم للخوف من مستقبل مجهول، وإنما سألت سؤالاً واحداً اختصر حقيقة الإيمان :
«آلله أمرك بهذا؟»
فلما قال: «نعم»، قالت بقلب امتلأ يقيناً:
«إذن لن يضيعنا الله».
كلمات قليلة، لكنها كانت أعظم من كثير من الخطب والكلمات. لم تكن ترى يومئذٍ عين زمزم، ولا البيت الحرام، ولا أفواج المؤمنين التي ستقصد ذلك الوادي عبر القرون، لكنها كانت تعرف ربَّ زمزم، وربَّ البيت، ومدبر الأمر كله، فاطمأن قلبها قبل أن تظهر أسباب النجاة.
وفي كنف هذا اليقين نشأ إسماعيل عليه السلام، حتى إذا جاءه الابتلاء العظيم، وأمر الله أباه أن يذبحه، كان قلبه قد تربى على معنى التسليم منذ طفولته، فلم يكن منه إلا الرضا والطاعة.
وهنا يبلغ الابتلاء منتهاه، ويبلغ التسليم كماله، فيأتي البيان الرباني البديع:
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾.
لم يقل الله سبحانه : فلما خافا، أو فلما ترددا، أو فلما بحثا عن المخرج، بل قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾.
وكأن الآية تعلمنا أن لحظة التسليم الصادق هي بداية الفرج، وأن العوض يأتي حين يستقر اليقين في القلب، وتطمئن النفس إلى اختيار الله لها.
فأعظم درس في الأضحية ليس الفداء وحده، بل الاستسلام الذي سبقه، وأعظم درس في زمزم ليس الماء وحده، بل الثقة بالله التي سبقته.
والمعنى الحقيقي للإسلام أن تُفوِّض أمرك إلى الله، وأن تترك تدبيرك المحدود لتدبيره الحكيم، وأن تقول بصدق المؤمن الواثق:
يا رب، رضيت ُبما اخترتَ، وسلّمتُ لما قضيتَ، وأحسنتُ الظن بك في كل ما قدَّرت.
وكما جبر الله خاطر هاجر بالماء بعد العطش، وجبر قلب إبراهيم بالفداء بعد الابتلاء، فإنه سبحانه يجبر القلوب الصادقة إذا صدقت معه، ويبدل الضيق سعة، والعسر يسراً، والخوف أمناً ، والحيرة طمأنينة.
فالفرج قد يكون أقرب مما نظن، لكنه ينتظر أحياناً تلك اللحظة التي يهدأ فيها القلب ويقول بيقين:
«فوضت أمري إلى الله».
ومن سلَّم لله بقلب هاجر، ورضي بقضائه كإبراهيم، ووثق بوعده كثقة إسماعيل، أراه الله من جميل تدبيره ما يعجز عنه ظنه، ومن واسع رحمته ما يبدد مخاوفه، حتى يعلم يقيناً أن من فوَّض أمره إلى الله كفاه، ومن أحسن الظن بربه لم يخيِّب الله رجاءه، وأن من كان الله معه فلن يضيعه الله أبداً .
Add comment
Comments