فقه الخلاف
الأسرة هي أول مدرسةٍ يتعلم فيها الإنسان كيف يختلف؛ فإن أحسن الاختلاف فيها، أحسن الاختلاف في المجتمع كله، وإن فشل فيها، حمل هذا الخلل إلى سائر دوائر حياته.
الخلاف ليس مجرد اختلافٍ في الآراء، ولا تعددٍ في الاجتهادات، ولا تعارضاً في المصالح، ولا تنازعاً بين الناس؛ فهذه كلها صورٌ للخلاف، وآثارٌ من آثاره، وليست حقيقته.
فالخلاف في حقيقته سنةٌ من سنن الله في خلقه؛ إذ تختلف العقول في مداركها، والأنظار في اجتهادها، والطبائع في ميولها، والظروف في أحوالها. ولم يُرِد الله أن يجعل الناس على رأيٍ واحد، وإنما أراد لهم أن يختلفوا اختلافاً يهدي إلى الحق، لا اختلافاً يفضي إلى الفرقة.
وليس الفقيه في الخلاف من يعرف كيف ينتصر لرأيه، وإنما من يعرف كيف يطلب الحق، ويعدل مع مخالفه، ويحفظ الأخوة وإن تباينت الأنظار، فيفرّق بين الثوابت والمتغيرات، وبين القطعيات والظنيات، وبين ما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ.
وليست الغاية أن نتعلم كيف نختلف، وإنما أن نتعلم كيف يبقى الود قائماً مع وجود الخلاف، وكيف يكون اختلافنا وسيلةً للوصول إلى الحق، لا سبباً لتمزق الصف.
أولاً: أسباب الخلاف
وقبل أن نتحدث عن آداب الخلاف، لا بد أن نفهم أسبابه؛ لأن من جهل السبب أخطأ العلاج. فالخلاف ليس كله ناشئاً عن سوء النية، كما أنه ليس كله دليلاً على طلب الحق، بل تتعدد أسبابه؛ فمنها اختلاف مدارك الناس في فهم النصوص والوقائع، وتفاوت العلم والخبرة وسعة الاطلاع، واختلاف البيئات والعادات والأعراف، وتفاوت المقاصد والأولويات، وتأثر الإنسان بطبعه وشخصيته وتجاربه. وقد ينشأ الخلاف من الهوى، وحبِّ النفس، والتعصب، وهو أخطر أسبابه إذا استولى على القلب؛ إذ يحجب صاحبه عن رؤية الحق، ويجعله يخاصم لأجل نفسه، لا لأجل الحقيقة.
ومن فقه الخلاف أن يميّز المرء بين الخلاف الذي أوجبه تفاوت الفهم والاجتهاد، والخلاف الذي أوجبه الهوى والتعصب؛ فالأول يُحترم وإن لم يُوافَق؛ لأنه ثمرةُ نظرٍ واجتهاد، والثاني يُحذَر منه وإن وافق الهوى؛ لأنه ثمرةُ نفسٍ لم تنقد للحق.
ثانياً: مراتب الخلاف
وليس كل خلافٍ سواء؛ فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم. فالخلاف المحمود هو ما كان سببه الاجتهاد في طلب الحق، مع سلامة القصد، وحسن الأدب، والاستعداد للرجوع إلى الدليل متى ظهر. أما الخلاف المذموم فهو ما كان باعثه التعصب، أو اتباع الهوى، أو طلب الغلبة، أو الإزراء بالمخالف، فيتحول الحوار فيه من البحث عن الحق إلى الانتصار للنفس.
ولذلك كان السلف يختلفون كثيراً، ولكنهم قلَّما كانوا يتخاصمون؛ لأن مقصدهم كان الوصول إلى الحق، لا إثبات الذات. وكان أحدهم يفرح إذا ظهر الحق على لسان أخيه، كما يفرح إذا ظهر على لسانه.
ثالثاً: آداب الخلاف
وإذا كان الخلاف سنةً كونية، فإن حسن الخلاف فريضةٌ شرعية. فإذا خلا الخلاف من الأدب صار خصومة، وإذا اقترن بالأدب بقي وسيلةً للتكامل لا للتقاطع، وللتعاون لا للتدابر.
ومن أجل ذلك كان من آداب الخلاف: إخلاص النية في طلب الحق، وحسن الظن بالمخالف ما لم يظهر خلافه، والإنصاف، والاعتراف بما عنده من صواب، والتفريق بين نقد القول والطعن في القائل، والرفق في العبارة، ولين الجانب، وقبول الرجوع إلى الحق إذا ظهر الدليل، وحفظ الود، وألا تُجعل المسائل الاجتهادية سبباً للقطيعة أو التباغض.
فليس نجاح الحوار في أن يخرج أحد الطرفين غالباً، وإنما أن يخرج الجميع أقرب إلى الحق، وأبقى على الألفة، وأعظم تعظيماً لما يجمعهم من الإيمان والإنصاف.
رابعاً: فقه إدارة الخلاف
ليست الغاية من فقه الخلاف أن نصف أسبابه، أو نميز بين أنواعه فحسب، وإنما أن نتعلم كيف نُحسن إدارته. فالخلاف باقٍ ما بقيت العقول والطبائع، وليس من الحكمة أن نسعى إلى إلغائه، وإنما الحكمة أن نمنعه من أن يتحول إلى خصومة، أو أن ينقلب إلى فرقةٍ وعداوة.
وإدارة الخلاف ليست مهارةً في الانتصار للرأي، وإنما حكمةٌ في الوصول إلى الحق، وحفظٌ للقلوب، وصيانةٌ للأخوة. فهي تقوم على الإنصاف، وحسن الاستماع، والعدل مع المخالف، والتماس العذر له، وتقديم المشتركات على مواضع النزاع، وردِّ المسائل إلى أصولها، وتحكيم الدليل بعيداً عن سلطان الهوى والتعصب.
ومن فقه إدارة الخلاف أن يعرف الإنسان متى يتكلم، ومتى يسكت، ومتى يناقش، ومتى يؤجل النقاش، ومتى يتنازل عن حظ نفسه محافظةً على مصلحةٍ أعظم، وأن يفرّق بين ما يجب أن يُبيَّن، وما يُستحب تجاوزه، وما لا يترتب على الخوض فيه إلا زيادة الفرقة وإيغار الصدور.
.فليس النجاح أن نُلغي الخلاف؛ فإن ذلك ليس من سنن الحياة، وإنما النجاح أن نُحسن إدارته، حتى يبقى الحق محفوظاً، وتبقى القلوب مجتمعة، ويظل الاختلاف وسيلةً للتكامل، لا سبباً للتدابر.a
Add comment
Comments