هل تدوم القوّة مع المتواضع… أم مع صاحب الولاء للمصلحة؟
ليس جديداً على المجتمعات أن يظهر فيها نوعان من الناس:
رجلٌ يحفظ كرامته بالتواضع، ويزن الأمور بميزان الحق، فلا يبيع ضميره لأجل منفعة، ولا يصفّق للباطل طلباً لقربٍ أو جاه.
ورجلٌ آخر يتقن فنّ التقرّب إلى أصحاب النفوذ، يبدّل مواقفه بحسب اتجاه المصلحة، ويجعل ولاءه للأقوى لا للأحق، حتى لو خالف قانوناً أو عدلاً أو قيمةً يرفعها المجتمع في شعاراته.
وفي أوقات كثيرة قد يبدو أن صاحب المصلحة هو الأقوى حضوراً والأسرع صعوداً؛ لأن النفوس تميل أحياناً لمن يخدم رغباتها، لا لمن يذكّرها بالحقائق الثقيلة. لكن السؤال الأعمق ليس:
من يصعد أسرع؟
بل:
من يبقى أثره أنظف… ومن يدوم احترامه حين تهدأ الضوضاء؟
القوة التي تقوم على التملّق تشبه بناءً مرتفعاً أُقيم على أرض رخوة؛ قد يعلو سريعاً، لكنه يظل خائفاً من أول اهتزاز.
أما القوة التي تستند إلى الخلق والعدل واحترام القانون والناس، فهي أبطأ أحياناً، لكنها أكثر ثباتاً وطمأنينة؛ لأنها لا تقوم على خوف الناس، بل على ثقتهم، ولا على تبدّل المصالح، بل على وضوح المبدأ.
ولذلك نجد أن كثيراً من أصحاب المصالح يحيطون أنفسهم بالولاءات المؤقتة، فإذا تبدّلت الموازين تفرّق الجمع، لأن العلاقة لم تُبنَ على احترامٍ حقيقي، بل على منفعة عابرة.
أما الإنسان المتواضع الصادق، فقد يخسر موقعاً أو فرصة، لكنه يكسب شيئاً أعمق:
راحة الضمير،
وثقة العقلاء،
ودعوة المظلوم،
واحترام الزمن.
والمجتمعات التي ترفع شعار الشريعة أو القانون لا تُقاس بكثرة الشعارات، بل بمدى حضور العدل في السلوك، لأن النصوص مهما عظمت تفقد أثرها حين تُستخدم للزينة لا للهداية.
فالحق لا يحتاج إلى ضجيج كبير ليبقى،
لكن الباطل يحتاج دائماً إلى من يلمّعه ويبرّره ويخشى سقوطه.
وفي النهاية…
قد تُعطي السلطة لبعض الناس نفوذاً،
لكنها لا تستطيع أن تمنحهم قيمةً حقيقية في قلوب الخلق،
فالهيبة تُفرض أحياناً،
أما الاحترام فلا يُشترى.
Add comment
Comments