فقه الحوار وآدابه

مقصد الحوار وميزان الغاية

إن أكثر الناس يبدؤون الحوار من ألسنتهم، بينما يبدؤه الفقيه من مقصده؛ لأن الغاية هي التي تمنح الكلمات معناها، كما تمنح الطريق وجهته.

فليست المشكلة في أن يتكلم الإنسان، وإنما في: لماذا يتكلم؟ وما الذي يرجوه من حديثه؟ فإن كان يقصد الوصول إلى الحق، كان الحوار وسيلةً للبناء، وإن كان يقصد الغلبة والانتصار للنفس، تحول الحوار إلى خصومة، وإن تزين بأرقى العبارات.

ولهذا لم يكن السلف يعدون الرجوع إلى الحق هزيمة، بل يعدونه فوزاً؛ لأن غاية الحوار عندهم لم تكن أن ينتصر أحدهم لنفسه، وإنما أن ينتصر الجميع للحق. وكان أحدهم يفرح إذا وجد من يصوب له خطأه، كما يفرح من وجد كنزاً ضائعاً؛ لأن الخطأ خسارة، ومعرفته مكسب، والحق ضالة المؤمن، أنَّى وجده فهو أحق الناس به.

ومن هنا كان المحاور الصادق أقل الناس تعصباً لرأيه، وأكثرهم استعداداً لمراجعته، لأنه يعلم أن العقل البشري محدود، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ، وأن الإنسان قد يغيب عنه من وجوه الحق ما يظهر لغيره. فإذا تبين له الصواب، لم يمنعه كبرٌ، ولا حياءٌ مذموم، ولا خشيةُ لوم الناس من أن يقول: أخطأت، والصواب ما ظهر لي الآن.

التواضع للحق وآداب الاستماع

ولذلك كان من أول فقه الحوار أن يتواضع الإنسان للحق قبل أن يطلب من غيره أن يتواضع له؛ فإن المتكبر لا يسمع إلا صدى صوته، ولا يرى إلا رأيه، ولا يدخل إلى قلبه نور الحجة مهما كانت واضحة. أما المتواضع، فإنه يستمع بعقله قبل أذنه، ويزن الكلام بميزان الدليل لا بميزان قائله.

ومن هنا أيضاً كانت حسنُ الاستماع ليس أدباً اجتماعياً فحسب، بل فريضةً عقلية؛ إذ كيف يحكم الإنسان على كلامٍ لم يفهمه، أو يرد على حجةٍ لم يُحسن سماعها؟ وكثير من الخصومات لا تنشأ لأن الناس يختلفون، وإنما لأن كلاً منهم يجيب عن شيءٍ لم يقصده صاحبه، أو يحمل كلامه على أسوأ محامله، ثم يبني على ذلك حكماً لا أصل له.

الإنصاف وفهم كلام المخالف

ولهذا كان الإنصاف يقتضي أن يفهم الإنسان كلام محاوره كما أراده صاحبه، لا كما أراد هو أن يفهمه، وأن يلتمس أحسن المعاني ما وجد إليها سبيلاً، فإن تعذر ذلك سأل واستوضح قبل أن يعترض أو يرد. فكم من نزاعٍ انتهى قبل أن يبدأ، لأن سؤالاً صادقاً كشف أن الخلاف كان في الألفاظ لا في المعاني.

ومن تمام العدل أن يفرق المحاور بين الفكرة وصاحبها؛ فالأفكار تُقبل وتُرد وتناقش وتُمحص، أما كرامة الإنسان فتبقى محفوظة مهما اختلفنا معه. وليس من قوة الحجة أن تُنقص من قدر الناس، ولا من شجاعة الرأي أن تُهين المخالف. بل إن الحجة كلما ازدادت قوة ازدادت معها حاجة صاحبها إلى حسن الخلق؛ لأن الحق غنيٌ عن الفظاظة، والدليل الصحيح لا يحتاج إلى الإساءة ليقنع العقول.

ولذلك كان القرآن يأمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم، وينهى أن يحملنا الخلاف على الظلم أو الجور؛ فالإنصاف ليس هديةً نهديها إلى الموافق، وإنما عبادة نتقرب بها إلى الله مع الموافق والمخالف سواء.

آفات الحوار وانحراف مقصده

ومن آفات الحوار أن يتحول البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الزلات، وأن يصبح همُّ المتحاور أن ينتظر هفوة صاحبه لا أن يتأمل حجته. فإذا وقع خصمه في خطأٍ فرح به، وإن أصاب أعرض عن إصابته، وكأن الغاية ليست معرفة الحق وإنما تسجيل النقاط. وهنا يفقد الحوار رسالته ويتحول إلى منافسةٍ خاسرة يخرج منها الجميع وقد ازدادوا بعداً عن الحقيقة.

ومن الآفات أيضاً أن يستعجل الإنسان الجواب قبل اكتمال الفهم، أو يبني أحكامه على الظنون، أو ينسب إلى الناس ما لم يقولوه، أو يفسر نياتهم، مع أن النيات موكولة إلى الله تعالى. وما أكثر ما أفسدت هذه الآفات من مجالس علم، وفرقت بين إخوان، وأشعلت خصومات كان يمكن أن تنطفئ بكلمةٍ هادئة، أو سؤالٍ منصف، أو اعتذارٍ صادق.

اختلاف الرأي وحدود الجدال

وليس المقصود من الحوار أن يخرج الناس جميعاً برأيٍ واحد؛ فإن اختلاف العقول، وتفاوت المدارك، وتنوع الاجتهادات سنةٌ من سنن الله في خلقه. وإنما المقصود أن يكون اختلافهم اختلافاً راشداً لا يفسد المودة، ولا يقطع أواصر الأخوة، ولا يحمل أحداً على احتقار غيره أو ازدرائه. فقد يبقى الخلاف قائماً، ولكن تبقى معه الأخلاق قائمة، ويبقى الاحترام متبادلاً، ويبقى الدعاء بظهر الغيب حاضراً.

ولهذا كان المحاور الحكيم يعلم أن لكل مقامٍ مقالاً، وأن الكلمة إذا لم تحقق مصلحةً راجحة أو كانت سبباً في زيادة الشر فإن تركها قد يكون أبلغ من قولها. فليس كل حق يقال في كل وقت، ولا كل ما يعلم ينشر، ولا كل جدال يستحق أن يخاض. ومن الحكمة أن يعرف الإنسان متى يتكلم كما يعرف ماذا يقول، ومتى يسكت كما يحسن البيان.

ثمرة الحوار وغاياته العليا

وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد شعوراً بأن الحقيقة أوسع من أن يحيط بها عقل واحد، وأن الناس يتكاملون في إدراكها ولا يحتكرها أحد. ولهذا كان الحوار الصادق باباً من أبواب التعلم لا ساحةً لاستعراض المعلومات، وكان المحاور الناجح يخرج من كل حوار بفائدة سواء وافقه الناس أم خالفوه.

وهكذا يصبح الحوار خلقاً قبل أن يكون مهارة، وعبادةً قبل أن يكون عادة، ومسؤوليةً قبل أن يكون حقاً. وهو لا يقاس بعدد الكلمات ولا ببلاغة العبارات، وإنما بما يتركه في النفوس من هداية، وفي العقول من بصيرة، وفي القلوب من مودة، وفي المجتمع من إصلاح.

فإذا خرج المتحاوران من مجلسهما وقد ازداد كل واحدٍ منهما علماً، أو اتسع صدره لفهمٍ جديد، أو ازداد احترامه لمن خالفه، فقد نجح الحوار وإن بقي الخلاف قائماً. أما إذا خرجا وقد امتلأت النفوس ضغينة، وضاقت الصدور، وغاب الإنصاف، فإن كثرة الكلام لم تكن إلا ستاراً لفشل الحوار.

فقه الحوار وبناء الإنسان

وهذا هو فقه الحوار الذي يحتاج إليه الناس في بيوتهم ومدارسهم وأعمالهم ومجالسهم، كما يحتاجون إليه في ميادين العلم والدعوة والفكر؛ لأنه ليس فقهاً للمجادلة، وإنما فقهٌ لبناء الإنسان، وإقامة الحق، وجمع الكلمة، وحسن العيش مع الناس.

فالحوار في صورته الراقية ليس معركةً ينتصر فيها أحد الطرفين، بل رحلةٌ يتعاون فيها الجميع على الوصول إلى الحقيقة. ومن أدرك هذه الغاية أدرك أن أعظم الانتصارات ليست أن يغلب الإنسان خصمه، وإنما أن يغلب هواه، وأن يكون الحق أحبَّ إليه من نفسه، وأقربَ إلى قلبه من رأيه، وأن يلقى الله وقد أدى أمانة الكلمة كما أمر، فجعل من حواره جسراً إلى الحق لا حاجزاً دونه.