ما يزهو به الود١

Published on 15 July 2026 at 9:29 pm

«مِمَّا يَزْهَرُ بِهِ الوُدُّ»

(1) التغافل والتغافر.. خُلُقان يطيلان عمر المودة

ما أضيق الحياة على من يُحصي الزلات، وما أوسعها على من يُحسن التغافل، ويجعل للعفو في قلبه موضعاً. فالناس لم يُخلقوا ملائكة، وإنما جُبلوا على النقص، يعتريهم السهو، وتسبقهم الكلمة، وتغلبهم النفس، ثم يندمون.

ومن ظن أنه سيجد صاحباً لا يخطئ، أو قريباً لا يزل، أو زوجاً لا يقصّر، أو ولداً لا يعثر، فقد طلب من الدنيا ما لم تجعله لأحد. وإنما تستقيم الحياة إذا عرف كل واحدٍ منا أن للآخر حقاً في العذر، كما أن له عليه حقاً في النصيحة.

والتغافل ليس ضعفاً، ولا عجزاً عن الرد، ولا تضييعاً للحقوق، بل هو قوة النفس حين تمتلك نفسها، وحكمة العقل حين يزن الأمور بميزان العواقب. فكم من كلمةٍ لو تُركت في موضعها ماتت، فلما أُحييت بالجدال كبرت حتى أحرقت موداتٍ كانت جديرةً بالبقاء.

وليس التغافل أن تُقرَّ ظلماً، أو تسكت عن باطلٍ يُفسد ديناً أو يضيع حقاً؛ فذلك بابٌ آخر له مقامه. وإنما التغافل أن تمرَّ على هفوات الطباع، وصغائر الزلات، مما لا يزيده التنقيب إلا اتساعاً، ولا يزيده العتاب إلا رسوخاً في النفوس.

ثم يأتي التغافر، وهو ثمرة القلوب المؤمنة؛ أن يغفر بعضنا لبعض، كما نرجو جميعاً أن يغفر لنا ربنا. فما أحوج الإنسان إلى مغفرة الله، وما أحق الناس أن يذوقوا فيما بينهم شيئاً من هذا الخلق الكريم. وكيف يرجو العبد رحمة السماء، وهو يضيق عن زلة أخيه، ولا يتسع صدره لعثرة صاحبه؟

لقد قامت كثيرٌ من البيوت على التغافل قبل الحب، وبقيت كثيرٌ من الصداقات بالتغافر بعد الخصام. وليس الذي يحفظ العلاقات كثرة الاتفاق، وإنما سعة الصدر، وحسن الظن، ولين العريكة، وإرادة الخير للناس.

ومن عظمة شريعة الإسلام أنها لم تكتفِ بالعدل، وإن كان العدل أساس العمران، بل فتحت للنفوس باب الإحسان، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فجعل العفو خلقاً، والصفح منزلة، وربط مغفرة العبد لأخيه برجائه مغفرة ربه.

ولقد صدق من قال: ليس كريم الأخلاق من لا يرى العيوب، وإنما كريم الأخلاق من يراها، ثم يختار أجمل المواقف. فليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما يُقال يحسن أن يُعاد، وليس كل خطأ يستحق أن يُجعل عنواناً لصاحبه.

فلنتغافل عن هفوةٍ لا تضر، ولنتغافر عن إساءةٍ نرجو بثوابها وجه الله، ولنجعل للود نصيباً من الحلم، وللعشرة نصيباً من الصفح، فإن القلوب إذا امتلأت بالعفو خفَّت أثقالها، وإذا سكنت إليها الرحمة طال بقاؤها.

رحم الله امرأً ستر زلةً، وأقال عثرةً، وغفر زلةً، وخرج من الدنيا وقلبه سليم، لا يحمل حقداً، ولا يُقيم في صدره ثأراً، يرجو من ربه عفواً أعظم من عفوه، وستراً أوسع من ستره، فإن الجزاء من جنس العمل، ومن عفا عن الناس، كان أرجى أن يعفو الله عنه.

Create Your Own Website With Webador