ما يزهو به الود 2

Published on 16 July 2026 at 9:26 pm

مِمَّا يَزْهَرُ بِهِ الوُدُّ
(2)
العِتاب… متى يكون دواءً، ومتى يصير داءً؟

ما من مودةٍ بين اثنين إلا وتعترضها غيمة، ولا من صحبةٍ صادقة إلا وتزورها لحظة سوء فهم، أو كلمةٌ لم تُحسن، أو موقفٌ لم يُقدَّر حق قدره. وهنا يقف العتاب على باب القلوب، فإن دخل برفقٍ أصلح، وإن اقتحم بعنفٍ أفسد.

فالعتاب في أصله دليل اهتمام؛ إذ لا يعاتب الإنسان من لا يبالي به، وإنما يعاتب من بقي له في القلب مكان، وفي النفس منزلة. فإذا خلا العتاب من الرحمة، لم يعد عتاباً ، بل صار محاكمة، وإذا خلا من المحبة، تحول إلى تقريعٍ يجرح الكرامة، ولا يداوي الخطأ.

وليس كل ما يضيق به الصدر يستحق أن يُقال، فكم من كلمةٍ دفنتها الحكمة، فعاشت المودة بعدها سنين، وكم من كلمةٍ أطلقها الغضب، فبقي صداها في القلب لا تمحوه الأيام.

وقد كان السلف يعدّون كثرة العتاب من أسباب الجفاء؛ لأن النفوس تملّ من المراجعة الدائمة، كما تملّ الأبدان من حمل الأثقال. ومن رقّة العقل أن يفرّق المرء بين خطأٍ عارضٍ تكفيه الإشارة، وخُلُقٍ مستحكمٍ يحتاج إلى نصحٍ وصبر.

ومن أجمل ما يُروى في المعنى قولهم: «إذا كثر العتاب، قلّ الأحباب.» قول ْيصف حالاً تشهد له التجارب؛ فالإفراط في العتاب يُشعر المرء بأنه متهمٌ على الدوام، فيثقل اللقاء بعد أن كان أنساً ، ويغدو الصمت أهون من الكلام.

وقد أرشد القرآن إلى ما هو أبلغ من كثرة اللوم، فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، لأن الكلمة الحسنة قد تفتح باباً يعجز عنه ألف عتاب، وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فجعل حُسن القول منهجاً ، لا استثناءً عند الرضا.

وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُنبّه على خطأ، لم يفضح صاحبه، ولا يجرح كرامته، بل يقول: «ما بالُ أقوامٍ…» فيبلغ المقصود، ويحفظ الوجوه، ويعلّم الأمة أن إصلاح الخطأ لا يكون بهدم صاحبه.

فإذا رأيت أخاك قد زلّ، فانظر أولاً : أكان محتاجاً إلى عتاب، أم إلى عذر؟ وأكان ينتظر منك كلمةً تؤنسه، أم محاكمةً تزيده انكساراً ؟ فإن كثيراً من الناس لا يعجزهم الاعتراف بخطئهم، ولكنهم يعجزون عن احتماله إذا قُدِّم إليهم في ثوب الإهانة.

وليس أجمل في العتاب من أن يكون قليلاً في لفظه، كبيراً في أثره، يخرج من قلبٍ مشفق، لا من نفسٍ منتصرة. فإذا أدى رسالته، انصرف، ولم يُعِد فتح الجراح كلما سنحت مناسبة؛ فإن الكريم لا يجعل الماضي سوطاً يلوّح به كلما اختلف مع من يحب.

فلنجعل للعتاب باباً ، ولكن لا نفتحه لكل صغيرة، ولنجعل للمودة مقاماً أعلى من الانتصار للنفس. فما كل صمتٍ ضعف، ولا كل كلامٍ شجاعة؛ بل قد يكون السكوت حكمةً، ويكون التغافل مروءة، ويكون العفو هو الجواب الذي يرفع صاحبه عند الله، ويزيده رفعةً في قلوب الناس.

وهكذا يبقى العتاب دواءً ما دام بقدر الداء، فإذا جاوز حدَّه، انقلب إلى داءٍ يستنزف المودة، ويذبل به الود، بعد أن كان قابلاً لأن يزهر .

Create Your Own Website With Webador