سياج الوفاء.. ومقامات الأصفياء
حين يقف الإنسان عاجزاً أمام جلال المعاني، ترتجف الحروف وتتمنع الكلمات، كأنما تخشى أن تقصر عن بلوغ المدى. وفي قصة من أعذب قصص الوفاء وأخلدها في مسيرة التاريخ، وقف رجلٌ متأملاً مواقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال مبهوراً مأخوذاً بعزته وعدله وسلطان هيبته:
> «ما رأيت مثلك!»
>
فالتفت إليه عمر بحكمة العارف وعمق البصيرة، لتنفتح بصيرته على آفاق النقاء، وليصرف القلب إلى من يستحق الفضل والسبق، سائلاً إياه بمنتهى التواضع:
> «أرأيت أبا بكر؟»
>
فأجاب الرجل نافياً بصدق المندهش:
> «لا.»
>
فزجره عمر زجرة المؤدب المعظم لحق الفضل، قائلاً بعبارات تتقاطر إجلالاً وتوقيراً:
> «لو قلت إنك رأيته لأوجعتك ضرباً!»
>
ثم تجلت الحقيقة الناصعة، والدرة اللامعة، في عبارةٍ لو وزنت بالذهب لرجحت، لتكون دستوراً للأرواح الصادقة والدرب المنير للمخلصين:
> «يا صاحبي؛ وصلوا بقلوبهم لا بأقدامهم!»
>
الله أكبر! ما أعظمها من عبارة! لقد صَفَتْ قلوبهم على إخوانهم، فطُويت دونهما الحجب، وأبلغهم الله مرادهم من القرب والرضا. لقد حفظوا مقام إخوانهم حياً وميتاً، فرفَعَ الله مقاماتهم وأعلى في العالمين ذكرهم. لقد كان أبو بكر رضي الله عنه قد فارق الحياة ومضى إلى رحاب ربه، ولكنَّ عمر رضي الله عنه ظلّ حارساً لعهده، حافظاً لمقامه، لا يجد في نفسه غضاضةً ولا حرجاً أن يُعلِنَها للملأ، ويذكر النَّاس جهاراً أنَّ أبو بكر خيرٌ منه!
إن حفظ مقامات النَّاس وإعطاء الفضل لأهله هو من شِيَم الأنبياء الكرام وخلالهم العطرة؛ فقد وقف كليم الله موسى عليه السلام ناطقاً بالحق ومنتصراً لفضل أخيه بكل تواضعٍ وانكسار: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. وفي المقابل، فإن إنكار مزايا النَّاس وبخسهم أشياءهم، وجحود أفضالهم، هو من أخبث شِيَم إبليس حين طمس الحق مستكبراً وقال متغطرساً: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.
فما أعذب الحياة، وما أطهر الأرواح، حين نصل إخواننا بصدق القلوب وطهارة السرائر، حافظين لكل ذي فضلٍ فضله، مترفعين عن حظوظ النفس ودنايا القلوب، لنحيا كرماء في الدنيا، ونلقى الله بقلوب سليمة!
رحم الله أبا بكر، ورضي عن عمر، وأسكنهما الفردوس الأعلى من الجنة، ورَحِم الله كل قلبٍ صافٍ نقٍّ يحمل الوفاء للناس خالداً في السر والعلن.
.
أَنِينَ الحُرُوفِ وَسَكِينَةَ القُلُوبِ
لا تحزن لأن الكلمات تقف أحياناً عاجزة في حلقك، ولا تحزن إن غصَّ بها صدرك وضاق بها لسانك؛ فبعض المعاني في أصل خلقها أعمق من أن تحتويها الحروف، وبعض المشاعر أوسع من أن تضيق بها الألفاظ المحدودة.
ولعلَّ تلك الغصَّة التي تطرق صدرك حين يعجز لسانك عن البوح، هي في حد ذاتها الشاهد الأصدق على طهارة سريرتك، وعظم صدقك، وسمو ما تحمله بين جوانحك. فالقلوب الكبيرة وحدها هي التي تتألم لعجز العبارة، وتدرك أن ما في الروح أكبر بكثير مما يقال.
حسبُك أنَّ القلوب الصادقة تتواصل بفيض الإشارة لا بتكلف العبارة، وأن الله يعلم ما تخفي الصدور وما تكنه الضمائر. فسلامٌ على قلبك الشفيف، ودام نبضك طاهراً نقياً لا يعرف إلا الوفاء.
Add comment
Comments