قلوب وجلة....وقلوبٌ مُرجفة
تتفاوت أعماق البشر في قراءة النوايا؛ فبينما يمتدّ القلب بالصفاء، تُسقط النفوس المُترددة بل والضعيفة ، ظنونها على أنقى المسالك، ليتغيّر مجرى ودٍّ يحسبه المرء رسيناً لا يزول.
كان الودّ بينهما يتدفقُ رِقّةً وصفاءً، كينبوعٍ ثرّ يغسلُ أدرانَ الأيام، وحسبَ صاحبُنا أنّ السدودَ قد تداعت، وأنّ الأرواحَ تآلفتْ على عهدٍ وثيقٍ لا يعكّره صفو. غير أنّ النفوسَ أغوارٌ غامضة؛ تكمنُ في أرجائها ظلالُ الشكّ، وتتربّصُ بها هواجسُ وجِلة تطلّ فجأةً من بين ثنايا الكلمات.
أقبل الطرفُ الآخر ينسجُ في مجالسهم حكاياتٍ مريبة، قصصاً تطفحُ بالحذرِ والريبة، يُكررها كمن يلقي بحجرٍ في ماءٍ ركود، ليختبرَ عمقَ السكون. ورغم ما في تلك الإشارات من جرحٍ صامتٍ لوجهِ البراءة، آثرَ الصديقُ أن يلوذ بالصفح، ويحملَ الأمرَ على محملِ السهوِ وطيبِ التغافل، متمسكاً بجميلِ الظن.
حتى أقبلتْ لحظةٌ فارقة؛ خرجت فيها كلمةٌ عذبةٌ بحسنِ نيةٍ تبتغي الأنسَ والمودة، فاستُقبِلتْ بجمودٍ كالح، ونبرةٍ تجرّ خلفها اتهاماً صريحاً. هنا تدفق الذهولُ في عروقه كالماء البارد، وانكشفت الحجبُ عن حقيقةٍ موجعة: إنّ أنقى التصرفات كانت تُترجمُ في الخفاء بقاموسٍ مظلم من سوء الظن، وأنّ الصفحةَ البيضاءَ غدتْ في عيونهم مُلطخةً بالأوهام.
تلاطمتْ في صدره أمواجُ الحيرة، ووجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مُرّ:
* إما مواجهةٌ عاصفة تُهتك فيها الاستار، وتجرفُ في طريقها كلّ ما بُني، وتتركُ القلوبَ ركاماً لا يُرمم.
* وإما أن يبتلعَ حسرته، ويلوذَ بصمتٍ جليل، يقفُ به كالسدّ المنيع ليحميَ الجميعَ من طوفانِ الفتنة.
اختَار النزيف الصامت؛ طوى الجرحَ في أعماقِ روحِه، وابتعدَ رويداً رويداً كنميرٍ يتراجعُ كي لا يفيضَ بالدمار. قطعَ خطى الزيارةِ التي كانت أنساً، واكتفى بحدّ الكفافِ الذي يفرضه الواجب، ليغدو في عيونِ الناظرين جافياً قاطعاً، بينما هو في حقيقةِ الأمرِ يتحملُ مرارةَ الجفاء ليصون أمنَ الديار.
تلك هي العبرةُ التي تجري كالنهرِ في مجراه: إنّ أسمى درجاتِ النبلِ أن ترتضي لنفسك دورَ الخاطئ في ظنونهم، وتتحملَ ضريبة الملامة، فقط لتُبقيَ السقفَ مرفوعاً، متمسكاً بشعرةِ معاوية، ومستودعاً سرّك لمن يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور؛ فهو وحده الكفيلُ بأن يغسلَ أدرانَ الظنون، وينصفَ القلوبَ الصافية.

Add comment

Comments

There are no comments yet.