أظنّ أن أجمل ما يمكن أن يُضاف إلى النص هو أن نفرّق بين **العالِمِ وطالبِ العلمِ والمتفيهِقِ**؛ فليس كلُّ من أكثر الكلام في العلم عالماً، ولا كلُّ من استعمل المصطلحات الدقيقة أعمقَ فهماً. وقد يكون المرء قليلَ البضاعة، كثيرَ الدعوى، فيستعيض عن نقص العلم بثقل العبارة، وعن ضعف الحجة بارتفاع النبرة.
*«كم وددت أن لا أكون منهم ولا بينهم، فلم أفلح بعلوم الآلة، وإنما أدّعي أني طالب علم»* **الاعتراف بحدود المعرفة أقرب إلى العلم من ادعاء الإحاطة به**.
## صفاتٌ تُنفِّرُ القلوبَ… والمتفيهِقُ نموذجًا
من أكثر ما يُنفِّرُ الناسَ من بعضهم: النفاقُ، والجُبنُ، والبخلُ؛ فالمرءُ يفقدُ شيئاً من مكانته حين يُعرفُ بالبخل، أو يُوصمُ بالجُبن، فإذا اجتمعت فيه الخصلتانِ، لم يبقَ له في النفوس إلا قليلُ اعتبارٍ. أمّا النفاقُ، فشأنه أشدُّ؛ لأنّه لا يكتفي بإسقاط صاحبه من أعين الناس، بل يهدمُ أصلَ الثقةِ التي تقومُ عليها الصحبةُ والمودّةُ والمعاشرةُ، ومن عرفنا منه نفاقاً صريحاً، كان اجتنابُه أسلمَ للقلبِ وأحفظَ للكرامةِ.
ومن الصفاتِ التي تَثقلُ على النفسِ كذلك: التكلفُ، والتعالمُ، والتَّفَيُّهقُ، والتنطّعُ، والتقعّرُ في الكلام. وليس العيبُ في أن يكون المرءُ فصيحاً، ولا في أن يمتلكَ من العلمِ ما يحسنُ به البيانَ؛ وإنما العيبُ أن يجعلَ العلمَ وسيلةً إلى الاستعلاءِ، وأن يجعلَ اللغةَ ستاراً يخفي به فقرَ المعنى، أو يتخذَ المصطلحَ سلّماً يصعدُ به فوقَ الناسِ.
**والمتفيهِقُ لا يكتفي بأن يعرف؛ بل يريدُك أن تعرفَ أنّه يعرف.**
ولا يكتفي بأن يفهم؛ بل يريدُ أن يشعرَ من حوله بأنهم أقلُّ منه فهماً. فإذا تحدّث، أثقلَ حديثه بما لا يحتاجُ إليه المقامُ، وإذا سُئل عن مسألةٍ يسيرةٍ ألبسها من العباراتِ ما يجعلُ السائلَ يظنُّ أنّه أمامَ سرٍّ من أسرارِ الكون. وربما كان أكثرُ ما في الأمرِ فكرةً بسيطةً، لو قيلت بلسانٍ صادقٍ واضحٍ، لبلغت القلبَ من أقربِ طريق.
والعلمُ الحقيقيُّ، في ظنّي، لا يجعلُ صاحبه أكثرَ تكلفاً، بل أكثرَ تواضعاً؛ ولا يدفعُه إلى احتقارِ السائلِ، بل إلى حسنِ تعليمه؛ ولا يحمله على استعراضِ ما يعرف، بل على إدراكِ مقدارِ ما لا يعرف.
ولعلّ من أجملِ علاماتِ رسوخِ العلمِ أن يستطيعَ صاحبه أن يقولَ: **لا أعلم**، وأن يقولَ: **لا أدري**، وأن يتراجعَ عن قولٍ ظهرَ له خطؤه، من غيرِ أن يرى في ذلك انتقاصاً من قدره. فليس العلمُ أن تملأَ كلَّ فراغٍ بالكلام، وإنما العلمُ أن تعرفَ متى تتكلم، ومتى تصمت، وماذا تقول، وكم تقول.
ولقد كنتُ، وما زلتُ، أهابُ أن أكونَ من هؤلاءِ الذين يتزيّنونَ بصورةِ العالمِ أكثرَ مما يتعبونَ في طلبِ العلم. وكم وددتُ أن لا أكونَ منهم ولا بينهم؛ غيرَ أنّي لم أُفلح في علومِ الآلةِ كما كنتُ أتمنى، ولم أبلغْ من أدواتِ العلمِ ما يجعلني أزعمُ لنفسي مرتبةَ العلماءِ. ولذلك لا أجدُ لنفسي وصفاً أصدقَ من أن أقولَ: **أنا طالبُ علمٍ، وأرجو أن أبقى طالبَه ما بقيَ في العمرِ متّسعٌ للسؤالِ والتعلّم.**
وما أحوجَ طالبَ العلمِ إلى هذه الكلمةِ الصغيرةِ: *طالب*.
ففيها نجاةٌ من دعوى الكمال، وفيها فسحةٌ للاعترافِ بالنقص، وفيها أدبٌ مع العلمِ وأهلِه. أمّا من ظنَّ أنّه بلغَ الغايةَ، فقد أغلقَ على نفسه بابَ الزيادة؛ لأنّ من توهّمَ أنّه يعلمُ كلَّ شيء، لم يعدْ يرى ضرورةً لأن يتعلّمَ شيئاً.
وليس أثقلَ على المجالسِ من رجلٍ قليلِ العلمِ كثيرِ الدعوى، يراقبُ ألفاظَ الآخرينَ ليصيدَ منها خطأً، ويستعرضُ محفوظاتِه ليُثبتَ تفوّقَه، ويحوّلُ كلَّ حديثٍ عابرٍ إلى امتحانٍ لمن حوله. ومثلُ هذا قد يُسكتُ المجلسَ ولا يُغنيه، ويُرهقُ الجلساءَ ولا يُمتعهم، حتى يتمنى المرءُ لو أن صاحبَه اختصرَ نصفَ كلامه، واكتفى منه بنصفِ المعنى.
ولذلك كان بعضُ الأدباءِ، إذا شهدَ مجلساً غلبَ عليه التكلفُ والجمودُ، ألقى كلمةً لطيفةً أو نكتةً ذكيةً تكسرُ حدّةَ التكلّفِ، وتردُّ للمجلسِ روحهُ الإنسانيةَ. وليس في ذلك انتقاصٌ من العلمِ، بل ربما كان من تمامِ الأدبِ؛ فالناسُ ليسوا في مجلسِ امتحانٍ دائم، والحكمةُ ليست أن تُشعرَ من حولكَ بثقلِ ما تحمل، وإنما أن تجعلَ ما تحملُه نافعاً لهم خفيفاً على نفوسهم.
إنّ **الثقلَ ليس في كثرةِ العلمِ، وإنما في طريقةِ حملِه**؛ فقد يجلسُ إلى الناسِ عالمٌ كبيرٌ، فلا يشعرونَ معه إلا بالألفةِ والسكينةِ، وقد يجلسُ إليهم من لا يملكُ إلا قليلاً من المعرفةِ، فيملأُ المكانَ ضجيجاً وتعالياً.
والفارقُ بين الاثنينِ ليس مقدارَ المحفوظاتِ وحده، وإنما مقدارُ الأدبِ الذي صاحبَ العلمَ في الطريق.
فما أجملَ العلمَ حين تُهذّبهُ خشيةُ الله، ويزيّنهُ التواضع، وتصحبهُ رحمةٌ بالناس؛ وما أقبحَه حين يتحولُ إلى أداةٍ للظهورِ والاستعلاءِ. وما أحوجَ طالبَ العلمِ، قبل أن يسألَ: *كم عرفتُ؟*، أن يسألَ نفسَه: **ماذا صنعَ بي ما عرفتُ؟ وهل زادني علماً بالناسِ، أم زادني إعجاباً بنفسي؟**
فإن كان العلمُ قد زادكَ تواضعاً، ورقّةً، وإنصافاً، وحبّاً للحقِّ، ورحمةً بالخلقِ، فأنتَ على خيرٍ، ولو قلَّ محفوظُك.
وإن كان قد زادكَ تعالياً، واحتقاراً للناسِ، وحرصاً على الظهورِ، وإصراراً على أن تكونَ آخرَ المتكلمينَ وأولَ العارفينَ، ففتّشْ في علمكَ قبل أن تفتخرَ به؛ فلعلَّ الذي ازدادَ في رأسكَ لم يزدْ شيئاً في قلبكَ.
**فليس أرفعَ الناسِ من أكثرهم كلاماً عن العلم، وإنما أرفعُهم من كان علمُه دالّاً عليه، وأدبُه شاهداً له، وتواضعُه برهاناً على أنّه ما زال يعرفُ قدرَ ما يجهل.**
Add comment
Comments