إهداء إلى من التقيتهم الأيام بعد طول غياب،
فأعادوا للحياة معناها، وللروح دفأها.
🌿 بنتم وبنا… 🌿
بنتم وبنا،
فما ابتلّت لفرقتِنا أكبادُنا،
ولا جفّت مآقينا…
لكنّ بيننا عمراً من المسافة،
وحروفاً من الشوق،
ما عادت تسعها اللغات.
عدتُ إلى البلاد بعد ما يقرب نصفِ قرنٍ من الغياب،
كمن يعود إلى مرآته الأولى،
يبحث عن ملامحه في عيون الأحبة،
وعن صوته في أصداء الأمكنة القديمة.
كلّ شيء تغيّر…
البيوت، الأزقّة، الأصوات…
إلّا صدى الخطوة حين تلمس التراب الذي عرفك صغيراً،
فيردّ عليك التحية بدمعةٍ صامتة.
اثنا عشر يوماً فقط،
لكنها كانت دهراً من الحنين،
جمعتُ فيها وجوهاً من نورٍ وذكرياتٍ من طيبٍ وعمرٍ مضى…
إخوتي وأخواتي،
أبناءهم وأحفادهم،
رائحة أختٍ غابت جسدًا وبقيت أثرًا في القلب،
ومن وُلد بعد الوداع ولم يعرف مَن ودّع.
شعرتُ بقوةٍ ما عرفتها منذ زمن،
كأنّ الأرض التي غادرتها ذات يومٍ
خبّأت لي شيئاً من روحي،
وردّته إليّ حين وطئتها من جديد.
زرتُ الأحياءَ فامتلأ القلب دفئاً ،
وزرتُ الأمواتَ فازداد خضوعاً …
مشيتُ بين القبور أبحث عن والديَّ،
فلم أجد سوى عبيرٍ من ذكراهما،
ونَفَسٍ من رحمةٍ يلفّ المكان كنسيمٍ لا يُرى.
وحين هممتُ بالمغادرة،
لم أشعر أنني أرحل،
بل أنني أترك جزءًا منّي هناك،
بين البيوت التي شهدت خطواتي الأولى،
وبين الوجوه التي لم تغادر القلب.
علمتُ أن الشوق لا يُروى باللقاء،
وأنّ الوطن ليس أرضاً نعود إليها،
بل حنينٌ يسكننا أينما كنّا.
خرجتُ من البلاد،
لكنّ البلاد لم تخرج منّي…
تركتُهم فازداد الشوق،
وتركوا فيّ من دفء العناق
ما يقي برد الغياب.
حتى الأموات…
كأنّهم خرجوا من صمتهم لأجلي،
يبتسمون لي بلغةٍ لا تُقال.
نعم… بنتم وبنا،
لكنّ بيننا نهراً من الودّ لا يجفّ،
وصوتاً من الماضي لا يخبو،
وحنيناً يزداد صفاءً كلّما ابتعدنا أكثر.

Add comment

Comments

There are no comments yet.