في زمنٍ مضى…
بعد خراب حلب على يد المغول سنة 1260م، وما رافق ذلك من حرقٍ واستباحةٍ وتركٍ للمدينة أنقاضاً ، عاد أهلها إليها. عادوا مثقلين بالجراح، مذهولين من هول الفاجعة التي حلّت ببلدهم، لكنهم لم يستسلموا.
شرع كلٌّ منهم، بقدر استطاعته، في ترميم ما خُرّب. اجتمع أهل الحي الواحد، وجمعوا ما أمكن الاستفادة منه من حجرٍ وخشبٍ وحديدٍ وغيرها، وأخذوا يعيدون بناء ما احترق وتهدّم، بأيديهم، وبما آتاهم الله من عزمٍ وصبر. لم ينتظروا معوناتٍ ولا مساعداتٍ من أحد، ولا عوناً من دولةٍ أو سلطان.
وكان أمير حلب آنذاك رجلاً تقيّاً رحيماً ، يخشى الله. جمع مستشاريه وحاشيته لوضع خطة تعيد للمدينة وقوفها على قدميها، وكان في مقدّم أولوياته تحصين المدينة وأسوارها، وتنظيم شؤون الجند، وإعادة الأمن إلى حلب.
لكن المستشارين قالوا له: إن خزينة الإمارة فارغة، ولا بد من فرض ضرائب على الناس لتغطية النفقات. فغضب الأمير وقال:
«أبعد ما أصابهم، نزيدهم إرهاقاً فوق إرهاقهم ؟ فقالوا: لا نرى حلّاً غير ذلك. وكان هذا رأي أكثرهم.
غير أن قاضي القضاة كان له رأي آخر. طلب الأمير مشورته، فقال القاضي: «دعني أكلمك على انفراد». وبعد انفضاض المجلس، قال القاضي للأمير:
«ما ستجمعه من الناس لن يكفي خزينة الإمارة، والناس قد أنهكهم البلاء، وليس أمامنا إلا حلٌّ واحد».
قال الأمير: «قل، أطال الله عمرك».
قال القاضي: «أن نجزّ صوف الكباش خيرٌ من أن نَسلخ جلود الحملان».
واقترح القاضي استدعاء "شهبندر " التجار، لمعرفة أسماء تجّار الحروب الذين اتّجروا بأقوات الناس، وملأوا خزائنهم من آلامهم. ففعل الأمير، وأقام مأدبة دعا إليها هؤلاء التجار في قاعةٍ كبيرة. وبعد العشاء، دخل الحرس وأحاطوا بالمكان، ونادى الأمير:
«كلٌّ منكم يضع ثمن حياته ليخرج ورأسه على كتفيه».
وحين أدرك تجار الحروب أن الأمر جدٌّ لا هزل فيه، دفعوا ما لديهم وما وراءهم، حتى امتلأت خزائن الدولة بالدنانير. ثم قال لهم الأمير:
«أمامكم ثلاثة أيام لتغادروا حدود الإمارة، ومن يُرَ منكم بعد ذلك فدمه مهدور. لا أريد في حلب خفافيش تتغذّى على دماء الناس، وقد أعذر من أنذر».
فنفاهم عن البلاد. ثم جمع حاشيته ووزراءه وقادته، وقال لهم:
«كلٌّ منكم يدفع نصف ماله للدولة، وإلا ألحقتكم بتجار الحروب، وصادرت أموالكم ونفيتكم».
فدفعوا، حين رأوا الجدّ والعزم، وتكدّست الأموال تكدّساً . وتعجّب الأمير والقاضي من حجم الثروات التي كانت بأيدي ذلك العدد القليل من الفاسدين.
وخلال خمس سنوات، عُمِّرت حلب من جديد، بسواعد أبنائها الأصليين: من معماريين وحدّادين ونجّارين وحجّارين، وسائر الحِرَف والخبرات الحلبية، فكانوا يداً واحدة مع أميرهم وقاضيهم. ونهضت المدينة من تحت الرماد، وعادت أقوى مما كانت، ووقفت من جديد على قدميها.
تلك كانت حكمة قاضي القضاة في حلب، ونصيحته للأمير؛ مشورةٌ صالحة، تصلح درساً لكل زمانٍ ومكان.
نص ٌ كتب بالعامية ، وأُعيد نشره بالفصحى.

Add comment

Comments

There are no comments yet.