ويبقى في القلب: ولدي

ليست الأبوة وظيفةً يُحال صاحبها إلى التقاعد، ولا الأمومة مرحلةً تنتهي بانتهاء سنوات التربية.

إنهما عهدٌ يبدأ مع أول نبضة فرحٍ بقدوم طفل، ثم يمتد حتى آخر نبضة في قلب الأب أو الأم.

يكبر الأبناء، أما الأبوة فلا تكبر؛ تبقى يقظة كما كانت، تفرح لفرحهم وإن لم يشاركها أحد فرحتها، وتحزن لحزنهم وإن أخفوه عنها، وتخاف عليهم وهم رجال ونساء كما كانت تخاف عليهم وهم أطفال يخطون خطواتهم الأولى.

يظن بعض الأبناء أن والديهم تجاوزوا الكثير من المشاعر، وأن السنوات علمتهم البرود أو الاعتياد، بينما الحقيقة أن القلب الذي سهر عليهم صغيراً لا يعرف كيف يتقاعد كبيراً.

الأب قد يشيب شعره، وتضعف قوته، ويهدّه التعب، لكنه يبقى يحمل في داخله ذلك القلق القديم نفسه: هل هم بخير؟

والأم قد تنحني من ثقل السنين، لكن روحها تبقى واقفة على أبواب أولادها، تدعو لهم وتنتظر أخبارهم كما كانت تفعل منذ أول يوم حملتهم فيه بين ذراعيها.

ولذلك كان الفقد مختلفاً.

فالابن حين يفقد والديه يفقد ظلاً عظيماً وسنداً وذكرياتٍ لا تعوَّض، ويظل الحنين يسكنه كلما مرّ بخاطر أو موقف أو دعاء.

أما الوالدان حين يفقدان ابناً، فإنهما لا يفقدان شخصاً فحسب، بل يفقدان جزءاً من أعمارهم، وقطعةً من قلوبهم، ومستقبلاً كانا يرسمانه في الخيال قبل أن تراه العيون في الواقع.

إنهما لا يدفنان ولداً فقط، بل يدفنان معه أحلاماً كثيرة لم تُروَ، وكلماتٍ لم تُقَل، وأياماً كانا ينتظرانها ولم تأتِ.

ولهذا يبقى قلب الأب وقلب الأم مختلفين في حسابات الحب.

فالعالم كله قد ينسى الإنسان بعد حين، إلا قلباً أنجبه أو حمله أو ربّاه.

وما أعجب هذه العلاقة!

قد يغضب الأب من ولده، ويختلف معه، ويتألم من تصرفاته، وربما يعتزل الحديث زمناً، لكنه إذا سمع اسمه ارتجف في داخله شيء لا تفسره اللغة.

وقد تحزن الأم من ولدها، لكنها ما إن يُذكر بسوء حتى تنتفض كل أمومتها دفاعاً عنه.

كأن الله أودع في قلوب الوالدين سراً لا يشيخ، وعهداً لا ينقضي، ورحمةً لا تنطفئ.

ولهذا لا تموت الأبوة إلا بموت الأب، ولا تنتهي الأمومة إلا برحيل الأم.

أما قبل ذلك، فهما عمل القلب حين يحب، وعمل العقل حين يفكر، وعمل الجسد حين يتعب، وعمل الروح حين تدعو.

ويبقى الوالدان، مهما تقدمت بهما السنون، يرددان بصوت تسمعه السماء قبل الأرض:

ولدي…

تلك الكلمة التي تختصر عمراً من الحب، ولا تعرف معنى التقاعد أبداً.
حين يكبر الأبناء يظنون أن رحلة التربية قد انتهت، بينما يدرك الآباء والأمهات أن أصعب مراحلها تبدأ حين يصبح الأبناء قادرين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم .
يتقاعد الإنسان من كل شيء إلا من أبوّته وأمومته؛ فهما وظيفة القلب التي لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة .

Add comment

Comments

There are no comments yet.