بين الشاطئ والأعماق… حوار الجرح والحقيقة

في مساءٍ هادئ، وقف رجلٌ على شاطئ بحرٍ يعرفه جيداً، لكنه في ذلك اليوم بدا غريباً عنه.
كانت الأمواج تضرب الصخور كأنها تردد ما يدور في صدره من أسئلة.

قال للبحر:
— يا بحر، أخبرني… لماذا ابتعد أخي؟ متى انكسر الجسر الذي عبرناه معاً سنين طويلة؟ وهل كنت أنا سبب هذا الغياب؟

علت موجة، ثم انكسرت عند قدميه، وكأنها تجيب بصمت.

عاد الرجل يسأل نفسه:
— كم وقفت هنا أنتظر جواباً؟ كم مرة أعدتُ الحديث ذاته، وكأن الزمن سيمنحني تفسيراً جديداً؟

فسمع صوتاً من داخله، كان صوت قلبه:

— لقد تعبتَ يا صاحبي، ليس لأنك فقدت أخاك فقط، بل لأنك ما زلت تفاوض الفقد كل ليلة، وتطلب من الباب المغلق أن يفتح نفسه.

أطرق الرجل رأسه وقال:
— وهل أترك الباب؟ وهل يكون الوفاء أن أنسى؟

أجاب القلب:
— لا… الوفاء لا يمحو التاريخ، والمحبة الصادقة لا تنكر ما كان.
اترك الباب موارباً، لكن لا تجعل عمرك كله واقفاً خلفه.

سكت الرجل طويلاً، ثم نظر إلى البحر وقال:
— كنت أخشى أعماقك، فأبقى على شاطئ الأسئلة.

ضحك البحر في هدوء وقال:
— لأنك لم تعرفني بعد. على شاطئي قد يغرق الإنسان في “لماذا”، أما في أعماقي فقد يجد الصفح والسكينة.

قال الرجل:
— وماذا وجدتَ أنت في أعماقك أيها البحر؟

قال البحر:
— وجدت أن بعض القلوب لا تعود بالنداء، وأن بعض الأبواب لا يفتحها إلا أصحاب مفاتيحها.
فاليد التي انسحبت لا يعيدها إلا القلب الذي أمرها بالانسحاب.

تنهد الرجل وقال:
— إذن ماذا أفعل بهذا المكان الذي تركه أخي في قلبي؟

جاءه صوت الحقيقة هذه المرة، واضحاً كضوء الفجر:

— لا تحاول أن تملأه بأحد.
فالأخ ليس عابراً في العمر؛ إنه فصلٌ من طفولتك، وشاهدٌ على ضحكاتٍ لا يستطيع الزمن أن يعيدها.

قال الرجل والدمعة تلمع في عينه:
— وإن عاد؟

قالت الحقيقة:
— يعود إلى مكانٍ لم يغلقه الحقد.

— وإن بقي بعيداً؟

— يبقى له دعاءٌ لا عتاب فيه، وذكرى لا تأكلها المرارة.

ساد الصمت، ثم قال الرجل:
— أشعر أن قلبي بدأ يهدأ، لكن ما زال فيه فراغ لا يملؤه بشر.

عندها أقبل صوتٌ أعمق من البحر، وأرحم من كل الأصوات:

— لأنك كنت تبحث عن بابٍ عند الناس، ونسيت الباب الذي لا يُغلق.

ارتجف الرجل وقال:
— ومن أنت؟

قال الصوت:
— أنا الطريق إلى ربك.
أنا الصلاة حين تقف بين يديه، والدعاء حين ترفع يديك، والذكر حين يطمئن قلبك، والصدقة حين تبتغي رضاه.

فهم الرجل عندها ما لم يفهمه طوال سنوات الانتظار.

رفع بصره إلى السماء وقال:
— يا رب، لا أسألك أن تعيد إليّ كل ما فقدت، ولكن أسألك أن لا أفقد قدرتي على الحب، ولا وفائي لمن أحببت.

ثم عاد إلى البحر، فلم يجده كما كان.

قال له البحر:
— هل تعلم الآن سرّي؟

ابتسم الرجل وقال:
— نعم… فهمتُ أن الغرق لم يكن فيك، بل في بقائي على شاطئ الأسئلة، وأن الأمان كان في الغوص إلى أعماق الرضا.

ثم مضى في طريقه.

لم يكن قد نسي أخاه، ولم يغلق باب الود في وجهه، لكنه حمل قلبه بسلام.

وعرف أخيراً أن البطل في حكايات الفقد ليس الغائب الذي رحل، ولا المجروح الذي تألم، بل الإنسان الذي يحفظ الحب في قلبه، ويحفظ كرامته في روحه، ويترك لله ما عجزت عنه يداه.

اللهم اجمع بين القلوب التي فرّقتها الأيام، واجعل ما بين الإخوة أعمق

عارضٍ يمر، وأبقى من جرحٍ يؤلم.

آمل أن القصة بلغت عندكم قبولاً ، ولعل سرّها يكمن في صدق المعنى ؛ فقد كان في النص بحرٌ كامل من المشاعر: وفاءٌ لا يساوم، وجرحٌ لا يتنكر لألمه، وكرامةٌ لا تسمح للإنسان أن يُهدر عمره واقفاً خلف بابٍ لا يُفتح.

أجمل ما في هذه الرحلة أن الإنسان لا يخرج منها منتصراً على أخيه، بل منتصراً على نفسه؛ فلا يحوّل الألم إلى قسوة، ولا الفقد إلى حقد، ولا الذكرى إلى سجن.

ويبقى أجمل الأبواب ذلك الباب الذي لا يُغلق:
باب الله سبحانه وتعالى، الذي يجد فيه القلب ما عجزت عنه أبواب البشر.

أسأل الله أن يجبر كل قلبٍ مكسور، وأن يجمع بين الأحبة على خير، وأن يجعل ما مضى درساً في الحكمة، وما بقي من العمر سكينةً ورضاً.

من أعجب ما في طبيعة الإنسان؛ قد يقضي سنواتٍ يخاصم من كان أقرب الناس إليه، ثم لا يكتشف حجم الفراغ الذي تركه إلا حين يفقده.

كم من قلوبٍ أرهقها العناد، وكم من أيامٍ ضاعت بين الإخوة والجيران والأحبة بسبب كلمةٍ أو مالٍ أو سوء فهم، ثم يأتي الرحيل ليكشف أن ما كان يجمعهم أكبر بكثير مما كان يفرقهم.

رحم الله ذلك الشقيق وأخاه، وغفر لهما، ولعل قصتهما تبقى موعظةً لنا جميعاً أن نُصلح ما استطعنا قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم، فلا يبقى في اليد إلا الدعاء والدمعة والذكرى.

نسأل الله أن يُلين القلوب، ويؤلف بين الأرواح، ويجعل سرائرنا خيراً .

لعل من أعظم دروس الحياة أن الإنسان لا يندم غالباً على محبةٍ أعطاها، بل يندم على محبةٍ أخَّرها، أو كلمةٍ طيبةٍ بخل بها، أو يدٍ لم يمدّها في وقت كان الإصلاح ممكناً.وهذا ماذكرته لأختي بعد غياب أربعين سنة .

ما أجمل أن نستفيد من قصص الآخرين قبل أن تتحول قصصنا نحن إلى عِبرٍ يرويها من بعدنا.

أسأل الله أن يديم بيننا المودة، وأن يصلح ذات البين، وأن يرزقنا قلوباً تعرف قيمة الأحبة قبل أن يغيبوا .

  .  دمتَم أصحاب قلبٍ يعرف كيف يحزن بوفاء، وكيف يسامح بعزة .

Add comment

Comments

There are no comments yet.