وقفةَ تدبّر

Published on 1 October 2026 at 2:15 pm

وقفةَ تدبُّرٍ

الحمدُ للهِ الذي حثَّ عبادَهُ على الاستباق، وفتحَ لهم أبوابَ رحمتهِ بلا إغلاق، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعلَ المقرّبين في أعلى الدرجات وأشرفِ الآفاق، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا ونبيَّنا محمداً عبده ورسولُه، كان أسرعَ الناسِ إلى الخيرات، وأعظمَهم سباقاً في الصالحات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيا عباد الله.. اتقوا الله تعالى حَقَّ التقوى، واعْلموا أنَّ العمرَ أنفاسٌ معدودة، وأيامٌ محدودة، والرابحُ مَنْ جعلَ كلَّ نَفَسٍ خطوةً تُقرّبُه إلى الله.
أيها المؤمنون..
قفوا معي اليومَ
وإجلال، أمامَ آياتٍ تتجلّى في سورةِ «الواقعة».
يقول الله جلّ جلاله في بيان أحوال الناس يوم القيامة:
﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ۝ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ۝ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ۝ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
تأملوا هذا الترتيب البديع؛ لقد ذكرَ اللهُ الأصنافَ الثلاثةَ إجمالاً: أصحابَ الميمنة، ثم أصحابَ المشأمة، ثم ذَكَر السابقين.
ولكن.. حينَ بَدَأَ القُرآنُ بـ تفصيلِ نعمائهِم وعاقبتِهِم.. بمَنْ بَدَأ؟
لم يبدأ بأصحاب الميمنة، بل قَدَّمَ السابقين!
فقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، ثم عادَ بَعْدَ ذَلِك ليَذْكُرَ أصحابَ اليمينِ، ثم أصحابَ الشمال!
فَلِمَ قُدِّمَ السابقون في التفصيل؟
لماذا خَطَفُوا الأضواءَ في الموقفِ العظيم؟
هنا يظهرُ لنا خيطٌ قرآنيٌ عظيم، يربطُ بينَ أعمالِ القلوب، وسلوكِ الأبدانِ في هذه الحياة.

معاشرَ المسلمين..
إنَّ السبقَ في الآخرة ليسَ مَصادفةً ولا أمنية، بل هو ثمرةٌ لطريقٍ متدرجٍ رسمَهُ القرآنُ الكريمُ لسالكيه.
بدأَ الأمرُ بالإشارة إلى المبادرة، فقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾..
وانظروا كيفَ فسَّرَ اللهُ هذه المسارعة؛ لم يقُلْ إنها سرعةُ أقدامٍ ولا حركةُ أبدان، بل هي: إنفاقٌ في السرّاءِ والضرّاء، وكَظْمٌ للغيظ، وعَفْوٌ عن الناس، وإحسان!
قد تكونُ جليساً في بيتك، لكنَّ قلبَك يُسارعُ بينَ يدي الله بعفوِك عمَّن ظلمَك، وبصَدَقَتِك المكتومة، وبدُعائِك لِظهرِ الغيب.
ثم ترتقي اللغةُ القرآنيةُ من «المسارعة» إلى «الاستباق»، فيقولُ عزَّ من قائل: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾..
لم تَعُدِ المسألةُ مجردَ حركةٍ فردية، بل صارَ هناكَ ميدانٌ يضمُّ الصالحين، ميدانٌ تُنْصَبُ فيه راياتُ الطاعات.
ثم تشتدُّ العزائمُ وتتسامى الهمم، فيأتي الأمرُ بالمسابقة: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾.
ويجمعُ اللهُ شَتاتَ هذا السلوك في آيةٍ واحدةٍ تختصرُ المشهد: ﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
تأملوا هذا البناءَ الإيماني العجيب:
* يُسَارِعُونَ: حركةٌ ومبادرةٌ وشَغَف.
* سَابِقُونَ: نتاجُ ذلك السعي ووصولٌ إلى الغايات.
فإذا انقضى ميدانُ الدنيا، حانَ موعدُ التكريمِ في الآخرة، فيتحولُ «السبق» من مجردِ فِعلٍ وعَمَل.. إلى «مَقامٍ ورُتْبَة»:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾!

أيها الإخوةُ الأحبة..
قد يظنُّ ظانٌ أنَّ ميدانَ السباقِ ضَيِّقٌ لا يتسعُ إلا لِقِلّة! وكَلا والله..
إنَّ سباقَ الآخرة ليس كسباقِ الدنيا؛ في الدنيا فائزٌ واحدٌ والباقون خاسرون.. أما في سباقِ الآخرة، فالأبوابُ مُتعدّدة، والرحمةُ واسعة، وكلُّ عبدٍ يمكنُ أنْ يكونَ سابِقاً في بابٍ فتحَهُ اللهُ عليه.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
هناك مَنْ يَسْبِقُ بصيامِهِ وركوعِه، وهناك مَنْ يَسْبِقُ ببرِّ والدَيْه، وهناك مَنْ يَسْبِقُ بقضاءِ حوائجِ الناسِ والشفاعةِ لهم، وهناك مَنْ يَسْبِقُ بسلامةِ صَدْرِه وخَفاءِ طاعتِه. المهمُ ألا تقفَ مكانَك!
لهذا لم يُقدَّمِ السابقونَ في سورة الواقعة لمجردِ الترتيب؛ بل قُدِّمُوا ليُنادُوا عليك من فوقِ أستارِ القرآن:
لا تَرْضَ لِنَفْسِك بالدُّون.. ولا تَكُنْ في مَؤَخَّرَةِ الرَّكْبِ وأنتَ قادرٌ على المَبادَرَة!

عباد الله..
إنَّ اللهَ تبارك وتعالى لا يَدْعُوكَ إلى الوقوفِ في مكانِك وانتظارِ المغفرة، بل يقول لك: ﴿وَسَارِعُوا﴾.. فاحذرْ تسويفَ التوبة، وإرجاءَ العمل.
لا تؤجّلْ خيراً تقدرُ على فعلهِ اليومَ إلى الغد؛ فربما لا يأتي الغد.
* إنْ كانَ بينك وبينَ أخيك شَحْناء.. فَكُنْ أنتَ الأسبقَ إلى العفو.
* إنْ كان في جَيْبِك فضلُ مال.. فَكُنْ الأسبقَ إلى سَدّ حاجة.
* إنْ سَمِعْتَ الداعيَ إلى الصلاة.. فَكُنْ الأسرعَ تلبيَةً وإقبالاً.
المسارعةُ هي حركةُ قلبِك في طريقِ الله، والسبقُ هو ثمرةُ هذه الحركة، والمقرّبونَ هم الذين لم يكتفوا بأنْ يصلوا فحسب.. بل بادروا، وسابقوا، حتى تقدّموا!
اللهم اجعلنا من المسارعين إلى الخيرات، السابقين إلى المكرُمات، المقرّبين في جناتِ النعيم.
اللهم لا تجعلنا من الغافلين ولا من المفسدين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات .
وصلّ ياربنا وسلّم وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

Add comment

Comments

There are no comments yet.