النزعة الفريسية وتداعياتها المعاصرة) بقلم ا.د عبدالله ابراهيم زيد الكيلاني

Published on 21 September 2026 at 5:39 pm

عقدة "المُتَّكَأ الأول": حين يتحول التديّن إلى واجهة للتسلّق الاجتماعي
(قراءة مقاصدية في نقد النزعة الفريسية وتداعياتها المعاصرة)
بقلم ا.د عبدالله ابراهيم زيد الكيلاني

حين واجه السيد المسيح -عليه السلام- ظاهرة "الفريسيين"، لم يكن نقده موجهاً لحفظ النصوص أو أداء الشعائر، بل لتلك العِلّة النفسية والاجتماعية المزمنة التي تُصيب التدين حين يفقد بوصلة التزكية ويتحول إلى غطاء لحب الزعامة وتصدّر المشهد.
هذا التوصيف الدقيق يلتقي عميقاً مع التحذير القرآني للعلماء ورجال الدين من الصمت عن جوهر الفساد والانشغال بالقشور:
﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ حيث غياب فريضة النهي عن أكل السحت والمظالم يقابله دائماً تضخيم المسائل الصغرى لصرف الأنظار عن القضايا الكبرى.
لقد لخص الإنجيل أزمة الفريسيين في مظهرين خطيرين، يتكرران بصور شتى في واقعنا اليوم:
1. هوس الوجاهة والمكانة ("يحبون المتكأ الأول"):
يصف إنجيل متى هذا المرض بدقة: "وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الْأَوَّلَ فِي الْوَلَائِمِ، وَالْمَجَالِسَ الْأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَنْ يُدْعَوْا مِنَ النَّاسِ: سَيِّدِي، سَيِّدِي".
إنه التنافس المقيت على الصفوف الأولى، واستغلال السمت الديني كسلّم للنفوذ الاجتماعي والظهور الإعلامي، بينما الباطن خالٍ من التواضع وخشية الله.
1. التضحية بـ "أثقل ما في الشريعة" لحساب الهوامش:
استنكر المسيح تدقيقهم في "عشور النعناع والكمون" (جزئيات لا أثر لها في بناء الأمة)، وإغفالهم لـ "أثقل الناموس": العدل، والرحمة، والأمانة. فصاروا كـ "القبور المبيضة"؛ بياضٌ وأناقة في الظاهر، وموتٌ وفساد في الداخل، والنتيجة الحتمية هي تنفير الناس وإغلاق أبواب الإيمان الحقيقي في وجوههم.
كيف تتجلى "الفريسية المعاصرة" في واقعنا اليوم؟
إذا تأملنا مشهدنا المعاصر، نجد أن هذا النمط لم يمت، بل أخذ أشكالاً مؤسسية وفردية متجددة:
* صراع المنصات و"المتكأ الرقمي": التزاحم الشرس على صدارة المجالس، والبروز في المؤتمرات، وتضخيم الألقاب العلمية والمشيخية، مع الغيرة والحسد الخفي من أي صوت مخلص يسحب البساط من "نجومية" المتصدرين.
* الانفصال بين السمت الأخلاقي والأداء الوظيفي: التدقيق المبالغ فيه في شكليات المظهر وهيئات اللباس، مقابل التهاون في إتقان العمل، أو تبرير أكل حقوق الناس، أو خيانة الأمانة العامة وغياب الحوكمة والنزاهة في الإدارة.
* اختزال مقاصد الدين في الفروع: إشعال المعارك والسجالات العقيمة حول مسائل خلافية دقيقة أو نوافل هامشية، في الوقت الذي تُهدر فيه قضايا العدالة الناجزة، وحقوق الضعفاء، والرحمة بالخلق، ومواجهة أكل أموال الناس بالباطل.
* الصد عن السبيل بالتنطع: تحويل الدين إلى منظومة من القيود والأثقال التعجيزية الخالية من روح الرحمة والتيسير، مما يولّد ردات فعل عكسية لدى الأجيال الشابة ويدفعهم نحو العزوف أو الإلحاد والشك.
كلمة أخيرة:
التدين الحقيقي ليس استعراضاً للمكانة في المجالس، ولا مزايدة على الهوامش، بل هو تزكية للنفس تطهرها من شهوة التصدر، وحراسة للعدل في المعاملات، ورحمة بالخلق تُجسد مقاصد الرسالات السماوية. ما لم يكن الدين دافعاً لإقامة الوزن بالقسط ونصرة المظلوم ومراقبة الله في السر والعلن، فإنه يتحول إلى طلاء خارجي يخفي تحته خواء الروح وخراب المجتمعات.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador