قراءة وتدبّر في سورة محمد ﷺ
حين يُقبل المرء على القرآن بقلب المتدبّر، لا بعين القارئ العابر، تنفتح أمامه آفاق من المعاني واللطائف، ويجد في نظم الآيات وترابطها وإشاراتها ما يدعوه إلى أن يقف حيث كان يمر، وأن يتأمل حيث كان يقرأ، وأن يربط بين ما تناثر أمامه من دلالات حتى يراها وقد انتظمت في صورة واحدة.
ومن السور التي تستوقف المتدبّر على هذا النحو سورة حملت اسم خاتم الأنبياء والمرسلين: **سورة محمد ﷺ**.
وما دام الاسم هو أول ما يستقبلنا، فلنبدأ منه.
فقد أشار **أحد الباحثين في الإعجاز العددي في القرآن الكريم** إلى لفتة حسابية تستحق التأمل في السورة التي تحمل اسم محمد ﷺ. فإذا تتبعنا حروف اسم **محمد** — الميم والحاء والميم والدال — في السورة، وجدنا أن حرف الميم ورد فيها 223 مرة، وحرف الحاء 23 مرة، وحرف الدال 35 مرة. ولأن الميم يتكرر مرتين في اسم محمد، كان مجموع حروف الاسم على هذا الوجه:
**223 + 23 + 223 + 35 = 504**
ثم تأتي اللفتة التي تستوقف المتأمل:
**504 ÷ 8 = 63**
وثلاث وستون هي السن التي بلغها رسول الله ﷺ عند وفاته.
قد تكون هذه أول وقفة في رحلتنا مع السورة، ولكنها ليست آخرها؛ فما إن يلفت العدد **63** أنظارنا إلى سيرة صاحب الاسم ﷺ، حتى تقودنا السورة نفسها إلى عدد آخر، وهذه المرة لا نحتاج إلى عملية حسابية لنصل إليه، فهو مكتوب أمامنا في رقم آية من آياتها.
إنها الآية **الثالثة عشرة**.
وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ بُعث وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة **ثلاث عشرة سنة** يوحى إليه، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وهنا تستوقفنا موافقة أخرى: فإذا بالآية الثالثة عشرة من سورة محمد هي الآية التي تتحدث عن **مكة، قرية محمد ﷺ التي أُخرج منها**:
**﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: 13].**
ثلاث عشرة سنة مضت منذ أن نزل الوحي أول مرة، ثلاث عشرة سنة من الدعوة والصبر والأذى والثبات، عاشها رسول الله ﷺ في مكة منذ البعثة حتى الهجرة؛ ثم نجد الآية التي تحمل الرقم نفسه، **13**، تتحدث عن تلك القرية نفسها، وعن اللحظة التي انتهت عندها تلك المرحلة:
**﴿مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾.**
وهنا يصبح الرقم جزءاً من مشهد أكبر. لم نعد أمام عدد مجرد، بل أمام سيرة ومكان وزمان: **محمد ﷺ، وثلاث عشرة سنة، ومكة، والخروج منها**.
ثم تأخذنا الآية من العدد إلى الوجدان.
ما أرق هذا التعبير القرآني:
**﴿مِن قَرْيَتِكَ﴾.**
لم يقل: من القرية، بل أضافها إليه: **قريتك**.
إنها مكة؛ موطن الميلاد والنشأة، وموطن الأهل والذكريات، والأرض التي أحبها رسول الله ﷺ، وفيها بدأت الرسالة، وعلى أرضها نزل الوحي أول مرة. ومع ذلك كله، جاء بعدها مباشرة:
**﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾.**
وكأن بين الكلمتين قصة كاملة: **قريتك... أخرجتك**.
قريتك التي أحببتها، أخرجتك.
قريتك التي نشأت فيها، أخرجتك.
قريتك التي دعوت أهلها ثلاث عشرة سنة، أخرجتك.
وفي هذا الموضع يأتي الخطاب الإلهي مؤنساً ومثبتاً، فلا يكون الخروج نهاية الطريق، ولا تكون قوة من أخرجوه دليلاً على غلبتهم:
**﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾.**
فكم من قرية كانت أشد قوة وبأساً، ثم لم تدفع عنها قوتها أمر الله حين جاءها.
وهكذا يغادر رسول الله ﷺ مكة، ولكنه لا يغادرها مهزوماً؛ وإنما يخرج مهاجراً، لينتقل من مرحلة إلى مرحلة، ومن أرض ضاقت بالدعوة إلى أفق جديد ستقوم فيه للدعوة دولة، وسيعود إلى القرية التي أخرجته منها بعد سنوات فاتحاً.
ومن هنا يأخذنا القرآن مباشرة من أحداث السيرة إلى معناها الأعمق؛ فلا يترك القلب واقفاً عند مكة والخروج والقوة والهلاك، بل ينقله في الآية التالية إلى الميزان الذي ينبغي أن تُوزن به الأشياء كلها:
**﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: 14].**
هنا يتغير الميزان.
فليست العبرة بمن يملك الأرض في لحظة من التاريخ، ولا بمن يملك القوة أو الكثرة أو السلطان؛ وإنما العبرة **بالبصيرة والهدى واليقين، والثبات على الحق**.
وما أجمل اتصال المعنى بين الآيتين: في الأولى قوة ظاهرة، وقرية تستطيع أن تُخرج رسول الله ﷺ من أرضه؛ وفي الثانية بيّنة وهدى لا يستطيع أحد أن ينتزعهما من قلبه.
وهنا نفهم أن الخروج من مكة لم يكن نهاية قصة، وإنما كان بداية فصل جديد منها.
وحين نعود إلى أول الطريق الذي بدأنا منه، نجد أن خيطاً واحداً قد أخذ بأيدينا خلال هذه القراءة: بدأنا باسم **محمد ﷺ**، فقادنا الاسم إلى العدد **63**، وهو عمره عند الوفاة؛ ثم قادنا التدبّر إلى العدد **13**، وهو عدد السنوات التي مكثها في مكة بعد البعثة؛ فإذا بالآية الثالثة عشرة نفسها تتحدث عن مكة التي أخرجته، ثم تقودنا الآية التالية من أحداث السيرة إلى **البصيرة والهدى والثبات على الحق**.
اسم، وعدد، وسيرة، ومكان، وهجرة، ثم معنى يتجاوز الزمان والمكان.
وهكذا تبدو سورة محمد ﷺ، عند قراءتها قراءة تدبّر، أوسع من أن تُقرأ آياتها منفصلة بعضها عن بعض. إنها سورة تجمع بين العقيدة والسيرة، وبين سنن الله في الأمم وتثبيت قلب الرسول ﷺ، وبين قوة الباطل العابرة وقوة الحق الباقية. وكلما ربط القارئ بين آياتها وسياقها، ظهرت له معان لم تكن لتظهر له لو مر بالكلمات مروراً سريعاً.
وليس المقصود من هذه القراءة أن نقف عند الأرقام وحدها، ولا أن نجعل التدبّر أسيراً للحساب، وإنما أن تكون هذه الموافقات **مفاتيح توقظ السؤال وتدعو إلى النظر**. فإذا استيقظ السؤال، عاد القارئ إلى الآية؛ وإذا عاد إلى الآية، انفتح أمامه السياق؛ وإذا تأمل السياق، وجد نفسه أمام السيرة والعقيدة وسنن الله، وعندها يصبح الرقم بداية للتدبّر، لا نهايته.
فالقرآن لا تنقضي عجائبه، وكلما عاد إليه المتدبّر بقلب حاضر وجد فيه باباً لم يلحظه من قبل، ومعنى يدعوه إلى وقفة جديدة. والتدبّر ليس طلباً للغرائب، وإنما هو إنصات إلى كلام الله، وتأمل في نظمه وسياقه وإشاراته، وربط بين الآية والآية، وبين الكلمة وموقعها، وبين النص والحدث الذي يضيء معناه.
ولعل من جميل المناسبة أن تكون الكلمة الأخيرة في هذه القراءة من **سورة محمد نفسها**؛ فبعد أن أخذتنا السورة من الاسم إلى السيرة، ومن العدد إلى المعنى، ومن مكة إلى الهجرة، ومن القوة إلى الهدى واليقين، نجد فيها الآية التي تكاد تختصر ما حاولنا أن نفعله منذ السطر الأول:
**﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].**
وكأن الرحلة كلها تعود بنا إلى هذه الكلمة:
**﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾.**
أن نقرأ، ثم لا نمضي.
أن نقف.
أن نتأمل.
أن نربط.
وأن نعود إلى الآية مرة أخرى، فنجد فيها ما لم نره في القراءة الأولى.
وهكذا بدأت رحلتنا من اسم السورة: **محمد ﷺ**، وانتهت بدعوة السورة نفسها إلى **التدبّر**.
وبين البداية والنهاية بقي القرآن هو الذي يقود الطريق.
Add comment
Comments