سُنَنُ السُّقُوطِ: قِرَاءَةٌ فِي بَلاَغَةِ «الْجَاهِلِيَّةِ» فِي القُرْآنِ

Published on 19 September 2026 at 8:05 am

سُنَنُ السُّقُوطِ: قِرَاءَةٌ فِي بَلاَغَةِ «الْجَاهِلِيَّةِ» فِي القُرْآنِ

إِنَّ سُقُوطَ الحضاراتِ وَتَهَاوِي الأُمَمِ لَا يَكُونُ بَغْتَةً كالصَّاعِقَةِ، بَلْ هُوَ انْحِدَارٌ يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الرُّوحِ وَالمُجْتَمَعِ حَتَّى يَسْتَشْرِيَ فِي كِيَانِ الأُمَّةِ كَلِّهِ. وَقَدْ جَاءَ التَّنْزِيلُ الحَكِيمُ لِيَكْشِفَ عَنْ هَذِهِ المَعَالِمِ الحَاسِمَةِ، إِذْ أُضِيفَتْ لَفْظَةُ «الْجَاهِلِيَّةِ» فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ إِلَى أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، لِتَرْسُمَ خَرِيطَةً دَقِيقَةً لِلإِفْلَاسِ الحَضَارِيِّ:

فَأَوَّلُ المَعَالِمِ فَسَادُ القُلُوبِ وَالعَقَائِِدِ، حِينَ نَزَلَ القَوْلُ الإِلَهِيُّ: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]؛ إِذْ يَفْقِدُ العَقْلُ يَقِينَهُ وَتَضْطَرِبُ بَصِيرَتُهُ، فَيَرَى البَاطِلَ حَقّاً وَالحَقَّ زُوراً، وَيَرْكَنُ إِلَى الشُّكُوكِ المَادِيَّةِ التِي تَتِيهُ بِهِ فِي أَوْدِيَةِ التِّيهِ وَالإِحْبَاطِ.

ثُمَّ يَتْبَعُهُ فَسَادُ التَّشْرِيعِ وَالسُّلْطَانِ، حَيْثُ جَاءَ النَّكِيرُ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]؛ فَمَتَى مَا اسْتُبْدِلَتِ العَدَالَةُ المُنَزَّلَةُ بِأَهْوَاءِ الرِّجَالِ وَنَوَازِعِ القَوِيِّ، انْخَرَمَ عَقْدُ الأَمْنِ، وَأَضْحَى الحُكْمُ تَبَعًا لِلْمَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ المُلَوَّثَةِ.

وَلَا يَقِفُ الاِنْحِرَافُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيُصِيبَ الأَخْلَاقَ وَالنَّسِيجَ الأُسَرِيَّ، كَمَا فِي القَوْلِ الكَرِيمِ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]؛ إذْ تَنْهَارُ المَبَادِئُ المُرَبِّيَةُ، وَتُسْتَهْلَكُ القِيَمُ فِي ظَوَاهِرَ سَطْحِيَّةٍ تَعْصِفُ بِعِمَادِ التَّرْبِيَةِ، فَيَنْشَأُ جِيلٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الصَّلاَبَةِ وَالهُوِيَّةِ.

ثُمَّ تَبْلُغُ الفِتْنَةُ أَوْجَهَا بِـ فَسَادِ الاِجْتِمَاعِ وَتَشَظِّي الرَّابِطَةِ، حِينَ يَقُولُ جَلَّ وعَلَا: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26]؛ فَتَسْتَعِرُ العَصَبِيَّاتُ القَبَلِيَّةُ وَالطَّائِفِيَّةُ، وَتُعْمِي الضَّغَائِنُ البَصَائِرَ عَنْ سَمَاعِ الحَقِّ، لِيَقْتَتِلَ الأَبْنَاءُ عَلَى أَوْهَامِ الاِنْتِمَاءِ المَضِيقِ.

فَإِذَا اكْتَمَلَتْ هَذِهِ الأَرْكَانُ الأَرْبَعَةُ فِي أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ: فِكْرٌ مُلَوَّثٌ، وَسُلْطَةٌ ظَالِمَةٌ، وَمُجْتَمَعٌ مُنْحَلٌّ، وَشَعْبٌ مُتَشَظٍّ؛ فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهَا سُنَنُ الانهِيَارِ، وَدَارَتْ عَلَيْهَا رَحَى الدَّهْرِ، فَلَا تَزَالُ تَهْوِي فِي مَرَاقِي التَّرَدِّي حَتَّى تُسَاقَ مُرْغَمَةً إِلَى ذُلِّ الدَّرْكِ وَهَلَاكِ الأَثَرِ.

Add comment

Comments

There are no comments yet.