حقوق الشيوخ والمسنين في ضوء شريعة الإسلام

Published on 20 August 2026 at 3:23 pm

إن العقوق للأبوين دناءة في عرف الناس، ورذيلة في نظر الأخلاق، وكبيرة في نظر الدين، ولكنه يكون أشد سوءًا ونكرًا حين يكون الأبوان في حال الشيخوخة.

حقوق الشيوخ والمسنين في ضوء شريعة الإسلام – بقلم: الشيخ يوسف القرضاوي

الشيخوخة مرحلة طبيعية:

الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل العمر الإنساني الأربع: الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة. وكما أن كل شيء في هذا العالم يتغير بمؤثرات شتى. وكما تؤثر عوامل التحاتّ والتعرية في الطبيعة المادية، يؤثر مضي السنين وأحداث الزمن في الإنسان، فيشيخ الشاب، ويضعف القوي، ويمرض الصحيح. كما قال الشاعر العربي قديمًا:

أشاب الصغير وأفنى الكبير ** كر الغداة ومر العشي

وقال الآخر:

طول الليالي أسرعت في نقضي ** نقضن كلي، ونقضن بعضي

والوصول إلى الشيخوخة أمر حتمي - وفق سنة الله - إذا قدر للإنسان أن يسلم من الموت في طفولته وفي شبابه وفي كهولته. كما أشار إلى ذلك القرآن حين قال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [غافر:67].

فأشارت الآية الكريمة إلى المرحلة الجنينية «النطفة والعلقة» ثم مرحلة الطفولة، ثم مرحلة بلوغ الأشدّ «وتشمل الشباب والكهولة» ثم مرحلة الشيخوخة.

الرد إلى أرذل العمر:

وأشار القرآن الكريم في آيتين أُخريين إلى مرحلة من الشيخوخة المتأخرة عبَّر عنها بـ «أرذل العمر» كما في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡ‍ًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} [النحل:70].

وكذلك جاء في سورة الحج: {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡ‍ٔٗا} [الحج:5].

وأرذل العمر هو أردؤه، وهو الذي يصيب المرء فيه الوهن في العظم، والضعف العام في البدن، وخصوصًا حواس السمع والبصر، والضعف في الذاكرة، والخرف في العقل، حتى يعود إلى حالة أشبه بحالة الطفولية، ويصبح كلًا على غيره. حتى إن رجليه لم تعودا تقويان على حمله، كما قال القائل:

وكنت أمشي على رجلين معتدلًا ** فصرت أمشي على أخرى من الشجر!

وقال ابن عباس في تفسير أرذل العمر: يعني: أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لا عقل له.

وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من أن يرد إلى أرذل العمر. كما روى عنه سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه قال: تعوذوا بكلمات كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بهن: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر».

وقد روى البخاري من حديث عائشة وأنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله تعالى- فيما يستعيذ به- من «الهرم» أي الشيخوخة مطلقًا، وهو محمول على أن المراد به: أرذل العمر، كما أشار إلى ذلك البخاري في أحد تراجمه.

ولكن ما أرذل العمر؟ وأي سن يعتبر أرذل العمر؟

العرب في أشعارهم كانوا يشيرون إلى سن الثمانين، كقول «زُهير بن أبي سُلمى» في معلقته الشهيرة:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ** ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم

وقال الآخر يشكو من ضعف سمعه:

إن الثمانين – وبُلِّغتها ** قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

والواقع أن أرذل العمر يختلف باختلاف الناس من حيث بنيتهم البدنية، ونشأتهم، وطعامهم وشرابهم ونوع عملهم وسلوكهم، وممارستهم للرياضات المختلفة.

ومهما يكن، فإن طول العمر الزائد يكوّن «مشكلة» على الفرد نفسه، وعلى أسرته، وعلى المجتمع ككلّ، وهذا ما يشكو منه الأوروبيون والأمريكيون اليوم: ازدياد أعداد المسنين والمسنات بنسبة كبيرة، بازدياد الوعي الصحي، والتقدم الطبي، وتوفير الرعاية، وتطلع الأفراد إلى المزيد من طول الحياة، حتى إنهم ليبحثون عن الأدوية التي تقاوم الشيخوخة، ولا يعلمون أن في ذلك - لو نجحوا فيه - خطرًا على الأجيال الصاعدة والواعدة.

ولذا يكون من المهم أن يدعو الإنسان ربه: ألا يرد إلى أرذل العمر، حتى لا يحتاج إلى الآخرين، ويمسي حملًا ثقيلًا عليهم، يتمنون موته والتخفف منه.

الشيخوخة مرحلة ضعف كالطفل:

الشيخوخة مرحلة ضعف للإنسان، كما أنَّ الطفولة كذلك، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم حين قال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗ} [الروم:54].

وقد عبر عن هذا الضعف نبي الله زكريا: {إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا} [مريم:3، 4].

وقد ذكر القرآن الشيخوخة في مناسبات شتى. وخصوصًا مع رسل الله الكرام، كما في قصة إبراهيم، الذي ذكر الله تعالى على لسانه: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [إبراهيم:39].

وقد بين لنا القرآن الكريم شيئًا من قصة البشارة بميلاد إسحاق، حين بشرت الملائكة امرأته به: {قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ 72 قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيد} [هود:72، 73].

رعاية الإسلام للشيخوخة:

والناظر في تعاليم الإسلام وأحكام شريعته، يجد أنه قد راعى «الشيخوخة» وكبر السن من الناحية المادية، ومن الناحية المعنوية.

الكفاية المادية:

فمن الناحية المادية يجب أن يوفر للكبير ما يحتاج إليه، إلى حد تمام الكفاية من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والعلاج، وإذا كان يحتاج إلى من يخدمه، فالواجب توفير ذلك له، إما عن طريق الزواج إن كان قادرًا عليه، وتائقًا إليه، أو عن طريق الأجرة.

والواجب أن يتوافر له ذلك عن طريق أبنائه إذا لم يكن عنده مورد يكفيه، لأن هذا من حق الأبوين على الأبناء، وهو من الإحسان بالوالدين ومن البر الذي أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم به. ومن هنا أوجبت الشريعة نفقة الوالدين المحتاجَيْن على أبنائهما، كما ينفق على نفسه وزوجه وأولاده.

ولهذا اتفق الفقهاء على أنَّ الأب لا يأخذ من زكاة ابنه عند حاجته؛ لأن نفقته واجبة عليه، كما تجب عليه نفقة زوجه وأولاده، فهو حين يعطيه الزكاة كأنَّما يعطها لنفسه.

وذكر القرآن قصة ذلك الشيخ الكبير في مَدْيَن الذي صاهره موسى وذلك حين ورد ماء مدين ووجد عليه أمة من الناس يسقون: {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} [القصص:23]، معنى هذا أن من حق الكبير أن يسعى أولاده ويكدحوا - وإن كانوا بنات - حتى يكفوه أمره، ويوفروا له حاجته، وهذا من موجبات عمل المرأة: حاجة الأسرة.

وجاءت السنة النبوية، فأجازت للأب أن يأخذ من مال ابنه ما يحتاج إليه، ففي الحديث الذي رواه ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة رضى الله عنها: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أباه، في دين عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك».

ورواه أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا ووالدًا، وإن والدي يجتاح مالي: قال: «أنت ومالك لوالدك».

قال الإمام الخطّابي في «معالم السنن»: قوله: «يجتاح مالي» معناه: يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان، واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة وهي: الآفة التي تصيب المال فتهلكه.

ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله، إنما هو بسبب النفقة عليه، وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير، لا يسعه عفو ماله والفضل منه، إلا بأن يجتاح أصله، ويأتي عليه، فلم يعذره النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يرخص له في ترك النفقة عليه، وقال له: «أنت ومالك لوالدك»، على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة، كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فأمَّا أن يكون أراد به إباحة ماله، وخلاه واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه، لا على هذا الوجه، فلا أعلم أحدًا ذهب إليه من الفقهاء، والله أعلم.

وعلق أبو حاتم ابن حبان على الحديث الذي رواه عن عائشة «أنت ومالك لأبيك» فقال: معناه أنه صلى الله عليه وسلم زجر «الابن» عن معاملته أباه بما يعامل به الأجنبيين، وأمره ببره، والرفق به في القول والفعل معًا، إلى أن يصل إليه ماله، فقال له: «أنت ومالك لأبيك».

لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته، من غير طيب نفس من الابن به انتهى.

واجب المجتمع في الرعاية المادية:

وإذا لم يكن الابن ولا أحد من ورثته قادرًا على النفقة عليه، فإن نفقته واجبة على المجتمع من حوله، فإن أهل الحي أو أهل القرية أو العرصة متكافلون، يحمل قويهم ضعيفهم، ويساعد غنيهم فقيرهم حتى لا تبرأ منهم ذمة الله وذمة رسوله، وفي الحديث: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه».

فإذا لم يكن في المجتمع سعة لمثل ذلك، فالواجب على الدولة أن تهيئ لهذا الشيخ وأمثاله من ذوي الحاجات: ما يكفيه بالمعروف ويغنيه عن السؤال. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته»، وقال «أنا أولى بكل مسلم عن نفسه من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضُيَّاعًا فإِليّ وعليّ».

والضيَّاع: الضائعون، لفقرهم وعدم وجود ما يكفيهم، ولعجزهم عن السعي على أنفسهم، نتيجة الصغر كالأطفال، أو الكبر كالشيوخ والمسنين.

وهذا ليس للمسلمين فحسب، بل هو لكل من يعيش في ظل المجتمع الإسلامي، مسلمًا كان أو غير مسلم.

وقد ذكر الإمام أبو يوسف في كتابه «الخراج»، نص الوثيقة التي صالح عليها خالد بن الوليد رضي الله عنه نصارى الحيرة بالعراق وهي تقول:

«وجعلتُ لهم: أيما شيخ ضعُف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه: طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام»

وقد كُتبت هذه الوثيقة في عهد أبي بكر رضى الله عنه وأقرها، كما أقرها من كان مع خالد من الصحابة رضي الله عنهم ولم يعترض عليها أحد، ومثل هذا يعد إجماعًا.

وفي عهد عمر رأى شيخًا يهوديًا يسأل الناس، فأنكر ذلك عمر، وعرف حاجته، فقال: «ما أنصفناك إذا أخذنا منك الجزية شابًا وأهملناك شيخًا!» ثم أمر خازن بيت المال أن يصرف له، ولأمثاله من بيت مال المسلمين ما يكفيه.

وهذا ما سار عليه خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز فقد كتب إلى عدي بن أرطأة واليه على «البصرة» برسالة جاء فيها: «وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه «واستشهد لذلك بواقعة عمر مع اليهودي».

توقير الكبير:

ومن القيم الإسلامية التي نوهت بها السنة النبوية، وكثرت فيها الأحاديث الشريفة: توقير الكبير وإجلاله والعرفان بحقه وشرفه، كالرحمة بالصغير والرفق به أيضًا.

منها حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا».

وحديث عبادة بن الصامت: «ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». وهنا أيضًا حديث أنس وابن عباس وغيرهما. وأول ما يتبادر إلى الذهن في معنى الكبير: أنه الكبير في السن، وإن كان يشمل أيضًا الكبير في القدر والمقام. فإن كبر السن يعطي الإنسان قدرًا وشرفًا باعتبار ما اكتسبه من تجربة السنين. وقد توارث العرب والأكراد والأتراك وغيرهم من الأمم احترام الشيوخ وإجلالهم، بمقتضى الفطرة البشرية، وأكدت ذلك تعاليم الدين، حتى قال بعض النَّاس: «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» ورفعه بعضهم على أنه حديث وليس بحديث.

ومن توقير الكبير: التوسعة له في المجلس، والقيام له ليجلس مكانه، وإيثاره بالنوبة أو بموقعه في الصف أو بتقديمه على غيره مراعاة لضعفه، ونحو ذلك.

ولا سيما إذا كان هذا الشيخ من أهل الخير والصلاح، كما جاء في الحديث أن رجلًا قال: يا رسول الله، أي النَّاس خير؟ قال: «من طال عمره، وحسن عمله» قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره، وساء عمله».

وقد جاء في هذا المعنى أكثر من حديث.

وقد روى أبو داود عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط».

وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكرم شاب شيخًا لسنه، إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه».

وقد حسَّن بعض العلماء هذا الحديث وضعفه آخرون، ولكنه موافق لسنة الله تعالى في الجزاء، فمن المعلوم أن الجزاء من جنس العمل، وأن البر والعقوق سلف، فمن بر أباه بره أبناؤه، ومن عق أباه عقه أبناؤه، وكذلك من أكرم الشيوخ في شبابه، هيأ الله من الشباب من يكرمه في شيخوخته.

يؤكد هذا الحديث الآخر: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه».

ويحكى أن بعض الشباب تغامزوا على بعض الشيوخ، فأنشأ الشيخ يقول:

يا عائبًا للشيوخ من أشر ** داخله الصبا ومن بذخ

اذكر إذا شئت أن تعيبهمو ** جدك، واذكر أباك يا ابن أخي

واعلم بأن الشباب منسلخ ** عنك، وما وزره بمنسلخ

من لا يعز الشيوخ لا بلغت ** يومًا به سنه إلى الشيخ

من أحكام الشيخوخة:

ومن أحكام الشيخوخة التي جاء بها الإسلام: أنه نهى عن قتل الشيوخ في الحرب، كما نهى عن قتل النساء والأطفال؛ لأنهم لا يشاركون في الحرب، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه حين وجد امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، فقال: ما كانت هذه لتقاتل!

فلو كان الشيخ يقاتل أو كان يشارك في الحرب برأيه وتدبيره جاز قتله، فإن الرأي في الحرب قد يكون أشد من السيف والرمح.

ومن أحكام الشيخوخة أن الشيوخ يعفون من الهجرة من البلاد التي يضطهدون فيها، ما داموا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، شأنهم ككل المستضعفين كما قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا 97 إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا 98 فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا} [النساء:97-99].

بل نجد القرآن يستحث الأمة على القتال وشن الحرب لاستنقاذ المستضعفين من الظلم والاضطهاد، وفي مقدمتهم الشيوخ، يقول تعالى: {وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} [النساء:75].

من شاب في الإسلام:

ولقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم بمن شاب في الإسلام، بمعنى أنَّه أنفق شبابه وكهولته في الإسلام أو في سبيل الله، حتى أدركه الشيب، فقال عليه الصلاة والسلام، فيما رواه عنه كعب بن مرة: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة».

وروى عنه عمرو بن عبسه: قال صلى الله عليه وسلم: "من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة".

فهذا الحديث خاص بمن شاب في سبيل الله أي في الجهاد، والحديث قبله عام لكل من شاب في الإسلام.

شرعية خضاب الشيب:

وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الشيب أن يغيروا شيبهم بالخضاب، وخصوصًا بغير السواد، وقال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون «يعني الشيب» فخالفوهم».

وفي حديث آخر «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود والنصارى».

وقال: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب: الحناء والكتم». والكتم: نبت فيه حمرة إذا خلط بالحناء كان أقرب إلى السواد.

وعن أنس بن مالك قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة والده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمة لأبي بكر»، قال: فأسلم، ورأسه ولحيته كالثغامة بيضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروهما «أي رأسه ولحيته» واجتنبوا السواد». والثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر، شبه الشيب به لشدة بياضه.

حق الشيخ على أسرته:

وإذا كان للشيوخ على مجتمعهم حقوق مؤكدة، فإن لهم على أسرهم حقوقًا أوثق وأوكد، وخصوصًا حقوق الآباء والأمهات على الأولاد.

فقد أوصى الإسلام وبالغ في الوصية بالوالدين، واعتبر ذلك من أصول الفضائل التي اشتركت فيها كل الأديان، واتفق عليها أهل الرسالات الإلهية. حتى اعتبر القرآن حق الوالدين بعد حق الله تعالى مباشرة، وهو يذكر الإحسان بالوالدين عقب الأمر بالتوحيد، كما في قوله تعالى: {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا} [النساء:36].

{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًا} [الإسراء:23].

{أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ} [لقمان:14].

وأكد القرآن حق الوالدين إذا بلغا الكبر ووصلا إلى الشيخوخة، وهنا شدَّد في الوصية، وأبلغ في التحذير {إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا 23 وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء:23، 24].

وانظر إلى قوله تعالى: {إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ} فهما في هذه الحالة أصبحا «عند أولادهما» لا عند أنفسهما، كأنـَّـما أصبحا وديعة أو أمانة عند الأولاد. وفي هذه الحالة تكون حساسية الأبوين بالغة الحدة، لشعور كل منهما بأن الأولاد لم يعودوا في حاجة إليهما، وإنما ربما صاروا عبئًا عليهم، ولا سيما إذا كان للأولاد زوجات، قد يضقن بالآباء والأمهات.

وهذه الحالة النفسية تجعل الأب أو الأم في غاية الحساسية المفرطة، يتأثر بأدنى كلمة، قد تجرح شعوره أو بالتصرفات، التي قد لا يلقى الابن أو الابنة لها بالًا.

ومن أجل ذلك جاء قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا} جاء عن علي رضى الله عنه قوله: «لو علم في العقوق شيئًا أدنى من «أف» لحرَّمه!».

وكلمة «أف» تعبير عن التبرم والتضجر. أما السب أو الشتم ونحوه، فهو من أكبر الكبائر في الإسلام. ففي الحديث المتفق عليه: «إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه»، قالوا: وكيف يسب الرجل والديه يا رسول الله؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه».

فهو لم يواجهما بالسب واللعن، ولكن تسبب في لعنهما وسبهما، حين سب آباء الآخرين وأمهاتهم، فردوا على سبه بمثله، فما بالك بمن يواجه أباه أو أمه بالسب؟!

ويعتبر الإسلام وجود الأب أو الأم في حالة الكبر عند الابن فرصة لاكتساب المغفرة ودخول الجنة، ورضوان الله تعالى. فمن ضيع هذه الفرصة على نفسه فقد فاته خير كثير.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر: أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة».

قال الإمام القرطبي في «تفسيره» للآية الكريمة {إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ}: «خص حالة الكبر؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلًا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فلذلك خص هذه الحالة بالذكر. وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالة البنوة، وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب فقال: {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا} انتهى.

والمتأمل في النص القرآني هنا، يجده قد اشتمل على نهيين وثلاثة أوامر:

أما النهيان فهما قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا}.

وأمَّا الأوامر فتتضمن:

1- القول الكريم لهما {وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا}، وهو القول اللين اللطيف، الذي يتضمن الإِجلال والتوقير والرحمة والحب، مثل: يا أبتاه، يا أماه، كما قال إبراهيم لأبيه رغم كفره وشركه: {يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡ‍ٔٗا} [مريم:42]، وكرر هذه الكلمة عدة مرات {يَٰٓأَبَتِ}.

2- والثاني خفض جناح الذل من الرحمة {وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ} وقد جاء في القرآن خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في معاملة المؤمنين كافة فقال: {وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الشعراء:215]، وهنا لم يكتف بالأمر بخفض الجناح، بل {جَنَاحَ ٱلذُّلِّ} وهذا الخفض ليس من ضعة ولا هوان، ولكن من الرحمة.

ونحن نجد القرآن الكريم لم يمدح الذل إلا في موضعين: ذل الإنسان لأبوية الكبيرين، وذله على إخوانه المؤمنين {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [المائدة:54]، والمراد بالكافرين هنا المحاربون، المناوئون للإسلام بدليل ذكر الجهاد، وبدليل سياق الآية نفسها في مقاومة المرتدين.

3- والثالث: الدعاء لهما بالرحمة {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} فهذا الدعاء من الابن مكافأة أدبية، مقابل التربية في الصغر، أن يدعو الله لهما بالرحمة في الكبر.

بر الوالدين ولو كانا مشركين:

ومن روائع ما جاء به الإسلام: أنه أمر ببر الوالدين، وحرص عليه، وزجر عن العقوق والجفاء، ولو كان الوالدان مشركين، بل لو كانا مُصرَّين على الشرك، مستميتين في فتنة ولدهما عن الإسلام، بكل ما يستطيعان من قوة وحيلة وتأثير، حتى عبر القرآن عن هذه المحاولة بالجهاد على الشرك. وهو ما عبرت عنه سورة لقمان في قوله تعالى: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14 وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [لقمان:14، 15].

فنهى عن طاعتهما في قبول الشرك، وأمر بمصاحبتهما بالمعروف. وهذه قمة في أدب البنوة مع الأبوة والأمومة، وإن اختلف الدين.

وروى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي جاءتني وهي مشركة، وهي راغبة «أي في صلتها» أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك».

ولهذا تميز مجتمعنا المسلم عن مجتمع الحضارة الغربية المعاصرة بهذا البر الفريد للآباء والأمهات، على خلاف المجتمع الغربي الحديث، الذي لا يكاد يرى فيه الابن والبنت أبويهما بعد البلوغ، إلا بالمصادفة، وقد تمر سنوات ولا يرى بعضهم الآخر.

وقد يعيش بعضهم في حالة الكبر في بيته، لا يزوره أحد، ولا يسأل عنه أحد، ولا يهتم به أحد لذا كانت الشيخوخة هناك موحشة أشد الإيحاش، وإن توافرت لصاحبها الحاجات المادية، ولهذا حرص الناس هناك على اقتناء الكلاب، لتعوضهم عن أبنائهم وبناتهم الذين لم يعودوا يرونهم أو يسمعون صوتهم، فلا غرو أن احتاجوا إلى تخصيص يوم للأم أو للأب، يسمى عيد الأم أو عيد الأب. والمفروض أن تكون كل أيامهم أعيادًا.

وقد حدثني بعض الإخوة في أمريكا إن امرأة ماتت في شقتها، ولم يعلم أحد بموتها، إلا أنَّ جيرانها شموا رائحة كريهة تنبعث من الداخل، فأبلغوا الشرطة، ففتحوا المنزل، ووجدوا المرأة قد ماتت منذ عدة أيام، وأن جثتها أصبحت رمة متعفنة، ثم عرفوا أن لها أبناء وبنات وأحفادًا في مناصب جيدة، ولكنها لم تر منهم أحدًا، ولعلها احتاجت إلى شربة ماء فلم تجد من يقدمها لها، أو احتاجت إلى إسعاف فلم تجد من يسعفها.

وربما كان بعض النَّاس أحسن حظًا من هذه العجوز، فانتقل إلى دار العجزة والمسنين، ليقضي أيامه الأخيرة فيها مع مثله. ولكن عاطفة الأمومة والأبوة لا يشبعها الطعام والشراب الذي يجدهما المسن في تلك الدار، فإن الشوق إلى فلذات الأكباد من الأولاد والأحفاد لا يطفئه شيء إلا اللقاء والأنس، والابتهاج المشترك بالحياة. كما أن من حق الأطفال والأجيال الناشئة، أن يعايشوا أجدادهم، ويأنسوا بهم، ويستمعوا لحكاياتهم، ويستفيدوا من تجاربهم، وإلا تنقطع الصلة بين الجيلين. ولهذا سمى القرآن الجد أبًا، كما في قول يوسف عليه السلام: {وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ} [يوسف:38]. وإبراهيم وإسحق جداه.

والناس يقولون في أمثالهم السائرة: أعز من الولد ولد الولد. فكيف نحرم الجد والجدة من السعادة والتمتع بما يعتبرونه أعز من الأولاد، وهو من ذرية الإِنسان التي تقر عينه بها، والتي يدعو الله لها بالسعادة والتوفيق، كما دعا إِبراهيم لذريته حين قال: {رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ} [إِبراهيم:40].

ودعا بها عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74].

وأنا أرجو من أبنائنا وبناتنا في مجتمعاتنا الإسلامية: أن يظلوا متمسكين بقيمهم الأصيلة، وبترابط الأسرة الوثيق، وتوادها العميق، الأسرة بمعناها الإسلامي: الأسرة الموسعة والممتدة. لتشمل الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، بل الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأولادهم، كما قال تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ} [الأنفال:75]، وقال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا} [النساء:1]، {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ} [النحل:90]، {وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ} [الإِسراء:26]، {يَسۡ‍َٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة:215].

تحذير الإسلام من العقوق:

إن العقوق من أسوأ الرذائل، التي يصاب بها الأفراد، وتبتلى بها المجتمعات؛ لأن حق الأبوين على الإنسان حق معروف بالفطرة، مؤكد بالشرع. فالطفولة البشرية أطول أنواع الطفولة، ويقاسي فيها الأبوان الكثير، حتى يكبر الولد ويستقل بنفسه.

والأم تعاني أكثر من الأب؛ لأنها هي تحمله كرهًا، وتضعه كرهًا، وترضعه وتربيه، كما أشار إلى ذلك القرآن {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ} [لقمان:14].

وفي سورة أخرى يقول: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًا} [الأحقاف:15].

ولهذا قال بعض علماء الإسلام: إن للأم ثلثي البر، وللأب الثلث.

وقال آخرون: بل لها ثلاثة أرباع البر، وللأب الربع.

وهذا القول يؤيده حديث أبي هريرة في «الصحيحين» فيمن سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك».

وذكر ابن كثير - في «تفسيره» عن البزار -: أن رجلًا كان يطوف بالبيت الحرام، وهو حامل أمه، فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: هل أديت حقها؟ قال: «ولا بزفرة واحدة» أي: زفرات الطلق وآلام الوضع.

ويحكى: أن رجلًا جاء إلى عمر رضى الله عنه وقال له: «يا أمير المؤمنين، لقد بلغ من بري بأمي أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، فأنا أعمل لها في الكبر ما كانت تعمل لي في الصغر، فهل أديت حقها؟» قال: «لا. إنها كانت تفعل بك ذلك، وهي ترجو لك عمرًا طويلًا، وأنت تفعل ذلك بها، وتنتظر موتها غدًا أو بعد غد!».

ولقد اعتبر رسول الإِسلام العقوق من أكبر كبائر الذنوب والخطايا، وأعلن أن العاق لا يدخل الجنة، ولا يجد ريحها.

وقد رأينا الشعراء من قديم يشتكون من عقوق الأبناء، من ذلك ما ينسب إلى أمية ابن أبي الصلت، يخاطب ابنه:

غَذَوْتُكَ مولودًا وَعلتُكَ يافعًا ** تُعَلُّ بما أُسدْي إليك وتَنْهَلُ

إذا ليلةٌ نابَتْكَ بالشَّكْوِ لم أَبِتْ** لشَكْواكَ إِلا ساهرًا أَتَمَلْمَلُ

كأني أنا المطروقُ دوَنكَ بالذي** أُصِبْتَ به دوني فعينيَ تَهْملُ

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عليكَ وإِنها** لتَعلمُ أن الموتَ حتمٌ مؤجّلُ

فلما بَلَغْتَ السِّنَّ والغايةَ التي** إليها مَدَى ما كُنْت فيكَ أُؤَمِّلُ

جَعَلْتَ جزائي غِلْظةً وفظاظة** كأنكَ أنتَ المنعِمُ المتفضِّلُ

فليتكَ إذ لم تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتي** فَعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يفعلُ

إن العقوق للأبوين دناءة في عرف الناس، ورذيلة في نظر الأخلاق، وكبيرة في نظر الدين، ولكنه يكون أشد سوءًا ونكرًا حين يكون الأبوان في حال الشيخوخة.

_____

المصدر: موسوعة الأعمال الكاملة للشيخ يوسف القرضاوي.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador