ما أجمل أن نبحث المسائل التي تخص الدين بروح طلب الحق واتباع الدليل، لا بروح الخصومة أو التنازع. وقد كان أئمة الإسلام — مع اختلاف اجتهاداتهم — يردّون كل أمر إلى الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، ويزنون الأقوال بميزان الشرع لا بميزان الأشخاص.
ولعل كلمة الإمام مالك يرحمه الله تُلخِّص هذا المنهج حين أشار إلى قبر رسول الله ﷺ وقال:
«كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ، إلا صاحب هذا القبر».
فلا عصمة بعد رسول الله ﷺ لأحدٍ من البشر، مهما علا علمه أو صلاحه أو مكانته، ولذلك كان خوف العلماء دائماً من أن تتحول المحبة المشروعة والتوقير الواجب إلى غلوٍّ يرفع الأشخاص فوق منازلهم.
وقد أحسن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال:
«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم».
وهذا لا يمنع من احترام العلماء والصالحين وتوقيرهم، فذلك من أدب الإسلام، لكن ضمن الحد الذي شرعه الله تعالى.
وعلينا الرجوع إلى كلام الأئمة؛ فبه تُعرف منازل الأقوال، ويبتعد المرء عن الإفراط والتفريط.
فإلى كل من أراد أن يعبد الله بعلم واتباع رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وصحبه وسلم اتباعاً أعين " قل أنا ومن اتبعني ندعو إلى الله على بصيرة " أقدم المختصر التالي :
فالمسألة لا تُحسم بالانطباعات، وإنما بأقوال الأئمة وأدلتهم. ويمكن تلخيص كلامهم في محورين: تقبيل اليد، واتخاذ ذلك شعاراً للشيخ والطريقة مع مظاهر التعظيم.
أولًا: أقوال من أجاز تقبيل اليد بضوابط
1- الإمام النووي (ت 676هـ) قال في الأذكار ما خلاصته:
تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه وعلمه وشرفه وصيانته ونحو ذلك مستحب، أما تقبيلها لغناه أو دنياه أو شوكته ونحو ذلك فمكروه.
وقد استدل بما ورد في بعض الآثار عن الصحابة رضي اللهُ عنهم في تقبيل يد النبي ﷺ.
2- الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في فتح الباري ذكر الأحاديث الواردة في تقبيل اليد، ومال إلى أن ذلك جائز إذا كان على وجه الإكرام والاحترام، لا على وجه الكِبر أو التعظيم المذموم.
ثانيًا: أقوال من كره الإكثار منه أو اتخاذه عادة
1- الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) نقل عنه أصحابه الكراهة في بعض صور تقبيل اليد، وكان مذهبه شديداً في سدّ أبواب التعظيم التي قد تؤدي إلى الغلو، وإن كانت الروايات عنه فيها تفصيل بحسب السبب والحال.
2- الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) رُويت عنه روايات مختلفة؛ ففي بعضها أجاز تقبيل يد العالم والصالح، وفي بعضها كره اتخاذ ذلك عادة، مما يدل على أنه يفرق بين عارض الاحترام وبين الهيئة الملازمة التي تُشبه التعظيم الزائد.
3- شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) قال في الفتاوى الكبرى وغيرها بمعناه:
تقبيل اليد على وجه التدين والتقرب، أو إذا صار عادةً تُفعل مع بعض الناس كما تُفعل مع الملوك، فذلك غير مشروع؛ أما إذا كان على وجه الإكرام أحياناً لمن يستحق، فلا بأس به.
ثالثًا: في بيعة الشيخ والطريقة
هنا كان إنكار كثير من العلماء أشد؛ لأن البيعة الشرعية التي جاءت بها السنة كانت للنبي ﷺ، ثم للخلفاء والأئمة فيما يتعلق بشؤون الأمة. أما جعل بيعة خاصة لكل شيخ يلتزم فيها المريد بالطاعة الخاصة، فقد نظر إليها كثير من أهل العلم على أنها مُحدَثة إذا أُعطيت صفة دينية لازمة.
وقد انتقد ذلك علماء كـ ابن تيمية والشاطبي في كلامهم عن البدع والالتزامات التعبدية التي لا أصل لها.
⸻
وخلاصة أقوال الأئمة
* تقبيل اليد أحياناً : أجازه أو استحبه جماعة من العلماء إذا كان إكراماً لأهل العلم والفضل، مع عدم اعتقاد خصوصية في الشخص.
* جعله شعاراً دائماً للشيخ عند اللقاء، أو ربطه بالانتساب الروحي والطاعة الخاصة: محل إنكار عند عدد من الأئمة؛ لما قد يفضي إليه من الغلو.
* ما زاد على ذلك من تقبيل القدم أو الانحناء أو مظاهر التقديس: كان إنكار العلماء له أشد، لما فيه من مشابهة ما لا يليق إلا بالتعظيم الزائد.
ولعل أهم ما يُلاحظ تاريخياً أن خير القرون، وهم الصحابة والتابعون وأتباعهم، عرفوا أعظم العلماء والزهاد والعبّاد، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، ولم يُعرف عنهم إنشاء طقوس مبايعة شخصية للزهاد أو جعل تقبيل أيديهم شعاراً ملازماً .
وهذا المعنى الأخير هو من أقوى ما استند إليه المنتقدون لهذه الممارسات؛ لأن الترك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع له دلالة معتبرة عند طائفة كبيرة من علماء الأصول.
والله أعلم.
Add comment
Comments