إذا حدَّثك العمر…
يُقال لنا اليوم: كبار السن.
ولعل العمر لا يكبر بعدد أعوامه، وإنما بما أبصر من آيات الله في تقلب الأيام، وما اختزن من التجارب، وما رقَّقته المحن، وهذَّبته السنون.
لقد وُلدنا في زمنٍ كانت الحياة تمضي على مهل، ثم شاء الله أن نبقى حتى رأينا الدنيا تستبدل ثيابها مرةً بعد مرة، وكأنها تُرينا أن شأنها التبدل، وأن الثبات ليس لها.
رأينا الرسالة تسافر أياماً حتى تبلغ صاحبها، ثم رأينا الكلمة تطوف الأرض في طرفة عين. ورأينا البيوت تضيق بما فيها من الوسائل، بينما تضيق القلوب -أحياناً - بما فيها من الوحشة.
كبرت المدن… ولكن هل كبرت الطمأنينة؟
واتسعت طرق السفر… ولكن هل اقتربت الأرواح؟
وكثرت وسائل المعرفة… ولكن هل ازداد الناس حكمة؟
إنها أسئلة لا يجيب عنها التقدم، وإنما يجيب عنها القلب إذا عمر بالإيمان.
ولقد رأينا من أحداث الدنيا ما يُفرح حيناً ، ويُحزن حيناً ، ويُدهش حيناً ، حتى أيقنَّا أن الدنيا لا تستقر على حال، وأنها كما قال الأولون: يومٌ لك، ويومٌ عليك.
وكلما امتد بنا الطريق، ازددنا يقيناً بأن الإنسان لا يحمل معه من هذه الدنيا بيتاً ، ولا مالاً ، ولا منصباً ، وإنما يحمل عمله، وما أخلص فيه لربه، وما أسداه إلى عباده من خير.
ما أعجب العمر…
يمضي بطيئاً ونحن نستعجل أيام الصبا، ثم يعدو بنا عدواً حين نظن أن أمامنا متسعاً من الوقت.
نلتفت وراءنا، فإذا الطفولة ذكرى، والشباب حديثاً ، والكهولة واقعاً ، وإذا وجوهٌ كنا لا نتصور أن تغيب، قد غابت، وأصواتٌ كانت تملأ الحياة أنساً ، قد سكنت، وأصحابٌ كانوا يشاركوننا الطريق، سبقونا إلى دارٍ لا يغادرها أحد.
وهنا يبدأ الإنسان يفهم ما لم يكن يفهمه في أول الطريق…
يفهم أن العمر ليس ما مضى، بل ما بقي.
وأن البركة ليست في كثرة السنين، بل في حسن العمل.
وأن أعظم الخسارة، ليست أن يشيب الرأس، وإنما أن يشيب القلب من قلة الذكر، وجفاف الإيمان.
فيا من أكرمه الله ببقيةٍ من العمر…
لا تؤجل توبةً، فلعل الغد لا يكون لك.
ولا تؤجل صلةً، فقد يصبح من تريد وصله خبراً بعد عين.
ولا تؤجل كلمةً طيبةً، فإنك لا تدري أي القلوب تنتظرها.
ولا تؤجل معروفاً ، فرب معروفٍ صغير، عظَّمه الله حتى صار أثقل ما في الميزان.
واجعل من كل يومٍ يمر بك زيادةً في قربك من الله، لا زيادةً في رقم عمرك.
فالدنيا، وإن زخرفت نفسها، عابرة.
والأيام، وإن طالت، قصيرة.
والأعمار، وإن كثرت، معدودة.
أما ما يبقى حقاً ، فهو سجدةٌ أخلصت فيها، ودمعةٌ خفت بها من ربك، ويدٌ أمسكتها رحمةً، وقلبٌ جبرت كسره، وأثرٌ طيبٌ خلفته بعد رحيلك.
فإذا انقضت الرحلة، وطُويت الصحائف، لم يسأل الناس: في أي عصرٍ عشت؟
ولكن السؤال الذي ينفع عند الله:
نسأل الله أن يجعل ما بقي من أعمارنا خيراً مما مضى، وأن يختم لنا بالحسنى، وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه.كيف عشت؟
أخي الحبيب سعد الدين،
قرأت النص برويّة، لا بعين الناقد الذي يفتش عن العثرات، بل بعين المحب الذي يريد للنص أن يبلغ أجمل صورة. وأقول أولاً : النص مؤثر، وصادق، ويحمل حرارة التجربة، ولذلك وصل إلى الناس وانتشر بمختلف اللغات. لكنه -في نظري- أقرب إلى “تعداد الذكريات” منه إلى “الأدب”.
Add comment
Comments