من فقه الحياة:
أن يجعل الإنسان الدليل هو مرشده، لا الأهواء؛ فلا يرفض معلومة لأنها تتعارض مع ما اعتاد عليه، ولا يقبلها لمجرد توافقها مع رغباته. بل يبقى مستعداً لمراجعة رأيه كلما ظهر له دليل أقوى؛ فإن الرجوع إلى الحق أفضل من الاستمرار في الخطأ.
وهذه ليست مجرد نصيحة، بل هي منهج تفكير؛ يحرر العقل من قيود التعصب، ويجعله تابعاً للدليل لا أسيراً للميول.
فالمتبع للدليل لا يتأثر بالأشخاص، ولا بالضجيج، ولا بالعواطف؛ بل يتحرك حيث يقوده البرهان. وهذه منزلة علمية رفيعة، لأن الهدف ليس انتصار النفس، بل ظهور الحق.
ومن الحكم المشهورة في هذا السياق:
“اعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال.”
وهناك قاعدة تستحق التأكيد:
“ليس الشرف في التمسك بالرأي، وإنما الشرف في التمسك بالدليل؛ فإذا ظهر دليل أقوى، فإن الرجوع إليه يعد أمانة علمية، وليس تراجعاً عن المبدأ.”
ولو سادت هذه القاعدة بين الناس، لتقلص الكثير من التعصب، ولأصبح الحوار أقرب إلى البحث عن الحقيقة منه إلى السعي للغلبة.
ومن أجمل ما يُختتم به هذا المعنى ما نُقل عن الإمام الشافعي:
“ما ناظرتُ أحداً إلا أحببتُ أن يُوفَّق ويُسدَّد ويكون عليه رعايةٌ من الله، وما ناظرتُ أحداً إلا ولم أُبالِ بظهور الحق على لساني أو على لسانه.”
فهذه منزلة رفيعة؛ إذ يصبح الهدف هو ظهور الحق، لا انتصار النفس.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الإنصاف، الذين يفرحون بظهور الحق، سواء جاء على ألسنتهم أم على ألسنة غيرهم.
Add comment
Comments