سورة يوسف… قصة الأمل التي لا تنطفئ
نزلت سورة يوسف بعد الابتلاءات العظيمة التي مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الفترة التي أعقبت عام الحزن، فجاءت تسليةً لقلبه، وتثبيتاً لفؤاده، ووعداً بأن العاقبة للصابرين.
وهي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي عرضت قصة نبي كاملةً في سياق واحد، من بدايتها إلى نهايتها؛ ولذلك قال الله تعالى:
﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾.
وقد عدّها كثير من أهل الأدب والنقاد من أبدع القصص في بنائها الفني؛ فهي تبدأ برؤيا، وتنتهي بتحقق تأويلها، فتلتقي البداية بالنهاية في مشهد بالغ الإحكام والجمال.
ومن اللطائف البديعة فيها قصة قميص يوسف عليه السلام، فقد كان شاهداً في ثلاثة مواقف مختلفة:
* كان دليلاً على كذب إخوته حين جاؤوا به ملطخاً بدم كذب.
* ثم صار دليلاً على براءة يوسف عليه السلام من مراودة امرأة العزيز.
* ثم كان بشارةً ليعقوب عليه السلام، فارتدّ بصيراً بإذن الله.
وتتميز السورة بأن معانيها تكاد تُرى رأي العين؛ فالقارئ يعيش أحداثها وكأنه يشاهدها تتتابع أمامه، بما فيها من مشاعر وصراع وتحولات.
ومع ذلك، فإن القرآن لم يسق هذه القصة لمجرد المتعة الأدبية، وإنما للعبرة والهداية، كما قال سبحانه:
﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.
ولعل خلاصة رسالتها تتجلى في قوله تعالى:
﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾.
فمحورها الأعظم هو:
* الثقة بتدبير الله.
* الصبر على البلاء.
* وعدم اليأس من رحمته.
ومن أعجب ما في السورة أن الأحداث تسير بطريقة تخالف توقعات البشر؛ فما يبدو شراً قد يكون مفتاح الخير، وما يبدو خيراً قد يكون طريقاً إلى ابتلاء أعظم.
فحب يعقوب ليوسف كان نعمة، لكن كانت نتيجته حسد إخوته وإلقاءه في البئر.
وكان البئر محنة عظيمة، لكنه أصبح سبباً لوصوله إلى بيت العزيز.
وكان بيت العزيز موطن نعيم، ثم انتهى به إلى السجن.
وكان السجن شدةً وألماً، لكنه أصبح الطريق إلى خزائن مصر.
وهكذا يتعلم المؤمن ألا يحكم على الأحداث من ظاهرها، فكم من محنة كانت في باطنها منحة، وكم من نعمة أخفت وراءها ابتلاءً.
فالكون يجري بتقدير الله وحكمته، وليس بما تدركه عقولنا المحدودة؛ فإذا رأيت أمراً لا تفهم حكمته، فلا تيأس ولا تعترض، بل أحسن الظن بربك، وفوّض أمرك إليه؛ فهو سبحانه أعلم بمصالح عباده، وأحكم في تدبيرهم.
وفي السورة عزاء لكل مبتلى، وقدوة لكل إنسان
يصارع الفتن، وأمل لكل من أثقلته الظروف، إذ تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بالصبر والثبات قبل أن يكون بالتمكين.
ولهذا كثرت فيها معاني الرجاء، فقال تعالى:
﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾.
وقال سبحانه:
﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا﴾.
وكأن السورة كلها تهمس لكل مؤمن:
إذا كان الله قادراً على كل شيء، فلِمَ اليأس؟
لقد نجح يوسف عليه السلام في الدنيا حين مكن الله له في الأرض، ونجح في الآخرة حين ثبت أمام الفتنة وآثر طاعة الله على شهوة النفس.
ومن أبدع مشاهد السورة أن الله سبحانه كان يدبر أمر يوسف في كل مرحلة:
* هيأ قافلة تمر بالبئر ليخرج منها.
* وهيأ له مقاماً في بيت العزيز.
* وهيأ للملك رؤيا كانت سبباً لخروجه من السجن.
* ثم هيأ لمصر سنوات القحط، ليصبح يوسف أميناً على خزائنها.
فإذا تولى الله أمرك، ساق إليك الأسباب من حيث لا تحتسب، وفتح لك من أبواب الخير ما لم يخطر لك على بال.
فاصدق في تفويض أمرك إليه، وأكثر من قول الحق سبحانه:
﴿وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾.
منقول بتصرف .
وبإختصار أقول ؛
لعل أجمل ما في سورة يوسف أنها تعلمنا أن الله سبحانه لا يغيّر الأقدار فحسب، بل يغيّر بها القلوب، حتى يصبح الألم تربية، والابتلاء رفعة، والانتظار طريقاً إلى التمكين. ولذلك بقيت هذه السورة معيناً لا ينضب لكل مهموم ومبتلى، يقرأها فيجد فيها سكينةً ورجاءً وحسن ظنٍ بربه .
Create Your Own Website With Webador